الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي
في زمنٍ يشتعل بالحروب والدمار، وفي منطقةٍ تتقاذفها الصراعات الإقليمية والدولية، يقف شعب كوردستان متسائلاً بمرارة: لماذا تُستهدف أرضنا بالصواريخ والطائرات المسيّرة ونحن لم نكن يوماً دعاة حرب؟ لماذا يُعاقَب شعبٌ يريد الحياة والاستقرار فقط؟
لقد عبّر الرئيس مسعود بارزاني بوضوح عن موقف كوردستان حين أكد أن الكورد ليسوا طرفاً في هذه الحروب والصراعات الدائرة في المنطقة. وهذه ليست مجرد عبارة سياسية، بل حقيقة يعرفها كل من تابع مسيرة هذا الشعب خلال العقود الماضية.
كوردستان لم تكن يوماً منطلقاً للحروب، بل كانت ملجأً للنازحين، وبيتاً للأمان، وواحة استقرار في محيطٍ مضطرب. في الوقت الذي كانت فيه مدن المنطقة تتهاوى تحت القصف والاقتتال، فتحت كوردستان أبوابها لملايين النازحين واللاجئين دون تمييز، وقدمت نموذجاً إنسانياً نادراً في منطقة أنهكتها الصراعات.
ومع ذلك، ورغم هذا الدور الإنساني، تتكرر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، في مشهدٍ يثير سؤالاً أخلاقياً قبل أن يكون سياسياً: لماذا تُستهدف أرض السلام؟
الحقيقة المؤلمة أن ما يجري ليس صراعاً مع الشعب الكوردي، بل انعكاس لصراعات أكبر من حدود كوردستان نفسها. فالإقليم يقع في قلب منطقة تتنافس فيها قوى إقليمية ودولية، وكل توتر بين تلك القوى يجد طريقه للأسف إلى سماء كوردستان وأرضها. تصبح الصواريخ رسائل سياسية، وتتحول الطائرات المسيّرة إلى أدوات ضغط، بينما يبقى المدنيون هم الضحية الأولى.
كوردستان اليوم تدفع ثمن موقعها الجغرافي، وثمن استقرارها، وثمن علاقاتها المتوازنة مع العالم. ففي الشرق الأوسط، قد يصبح الاستقرار نفسه سبباً للاستهداف، وقد تتحول المناطق الآمنة إلى ساحات رسائل وصراعات لا علاقة لشعوبها بها.
ومع كل صاروخ يسقط، لا يسقط حجر فقط، بل يسقط معه جزء من حلم شعب يريد أن يعيش بسلام كبقية شعوب الأرض. شعبٌ لا يطلب سوى الأمن، والعمل، والتعليم، ومستقبلٍ لأطفاله بعيداً عن أصوات الانفجارات وصفارات الإنذار.
إن استمرار استهداف كوردستان لا يخدم الاستقرار الإقليمي، بل يهدده. ولا يقرّب المنطقة من السلام، بل يباعدها عنه. فالسلام لا يُبنى بالصواريخ، ولا يتحقق بالطائرات المسيّرة، بل بالحوار والاحترام المتبادل وسيادة القانون الدولي.
إن رسالة كوردستان إلى العالم واضحة: نحن لسنا طرف حرب، ولن نكون. نحن طرف سلام، ونريد سلاماً للجميع. نريد مستقبلاً يعيش فيه أطفال المنطقة بلا خوف، وتُحل فيه الخلافات على طاولات الحوار لا في سماء المدن.
لقد آن الأوان أن يدرك الجميع أن استقرار كوردستان جزء من استقرار المنطقة، وأن حماية المدنيين مسؤولية أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون سياسية. فالشعوب التي تبحث عن السلام لا ينبغي أن تُعاقَب، بل يجب أن تُدعَم.
كوردستان ستبقى أرض السلام… مهما اشتدت العواصف.