عرفان الداوودي
مأساة الضمير في زمن الفاسدين
في زمنٍ اختلطت فيه المعايير، وأُلبِس الباطلُ ثوبَ الحق، صار الفاسد في العراق يُستقبل بالتصفيق، ويُودَّع بالهوسات، وكأنّه بطلٌ عاد من معركةٍ ظافرة، لا سارقٌ نهب قوت الشعب وأحلامه. مشهدٌ يوجع القلب قبل أن يثير الغضب؛ حين ترى من سرق المال العام يُحاط بالاحترام والتقدير، بينما الشريف يُهمَّش، والفقير يُكابد بصمت.
أيُّ منطقٍ هذا الذي يجعل من الحرامي ضيفَ شرفٍ في الدوائر الرسمية؟! وأيُّ عدلٍ يُجيز أن يُستقبل في المطارات بأفضل المعاملات، ويُودَّع للحج وكأنّه من أولياء الله الصالحين؟! بل الأعجب من ذلك، حين يعود، تُضرب له الطبول، وتُزفّ قوافل السيارات الفارهة لاستقباله، وكأنّه عاد من فتحٍ مبين!
لقد حذّرنا الله تعالى من هذا الانقلاب القيمي الخطير، فقال في كتابه الكريم:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ وقال أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ فأين نحن من هذه الآيات، ونحن نُصفّق لمن أكل أموال الناس بالباطل؟! وأين الضمير حين يُصبح الفاسد قدوةً في المجالس، يُفتي في الدين، ويتحدث عن الشريعة وكأنّه من العلماء، وهو أبعد ما يكون عن روحها وعدلها؟ وقد قال النبي ﷺ:
((إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)). وهذا الحديث يختصر واقعنا المؤلم؛ حيث يُترك الكبير الفاسد بلا حساب، ويُشدّد على الضعيف حتى في أبسط الأخطاء. إنّ الطواف بالكعبة، والصلاة في الصف الأول، والظهور في المساجد، لا تُطهّر مالًا حرامًا، ولا تُسقط حقًّا مسلوبًا. فالله طيّب لا يقبل إلا طيبًا. وقد قال ﷺ:
((كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به)). وفي أمثال العرب قيل: (إذا فسد الرأس فسد الجسد) وقيل أيضًا: (من أمن العقاب أساء الأدب) وهذا ما نراه اليوم بوضوح؛ حين غاب الحساب، فانتشر الفساد، وحين صمت الناس، تجرأ اللصوص.
المصيبة ليست في وجود الفاسدين فقط، فكل زمانٍ فيه طالحون، لكن الكارثة حين يتحول الفاسد إلى (رمز)، ويُعامل كأنه صاحب فضل، وتُفتح له الأبواب، ويُرفع في المجالس. هنا يُقتل الضمير، ويُدفن الحق، وتضيع القيم.
يا أبناء العراق.. إن تكريم الفاسد خيانة، والصمت عليه مشاركة، والتطبيل له جريمة أخلاقية قبل أن تكون وطنية. فالوطن لا يُبنى بالهوسات، ولا يُحفظ بالتصفيق، بل يُصان بالعدل، ويُنهض بالصدق، ويُحمى بمحاسبة كل من سرق أو خان.
فلنعد إلى ميزان الحق، حيث يُكرَّم الشريف، ويُحاسب الفاسد، ويُرفع صوت العدالة فوق كل صوت. وإلا… سنبقى ندور في حلقةٍ مفرغة، نُشيّع أوطاننا بأيدينا، ونصفّق لمن سرقها.
ختامًا: ليس كل من وقف في الصف الأول من المصلين صادقًا، وليس كل من رفع صوته بالدين مخلصًا، فالميزان عند الله ليس بالمظاهر… بل بالحقوق والذمم .