عرفان الداوودي
لم يعد خافياً على أحد أن بعض القوى السياسية في العراق أتقنت فنّ رفع الشعارات أكثر من إتقانها لبناء الدولة. فباسم الدين تُخدّر العقول، وباسم الوطن تُسرق الحقوق، وبين هذا وذاك يضيع المواطن البسيط الذي لم يطلب سوى حياة كريمة وأمان مستقر.
منذ سنوات، نسمع خطابات رنّانة عن “الوحدة الوطنية” و”الأخوّة بين السنّة والشيعة والعرب والكورد وسائر المكونات”، لكن هذه الكلمات بقيت حبيسة المنابر والمؤتمرات. أما على أرض الواقع، فلم تُترجم إلى أفعال. بل على العكس، استُخدمت هذه العناوين كغطاء لتمرير الصراعات وتقاسم النفوذ والمصالح.
قيل الكثير عن مبادرات لجمع الفرقاء، وعن “طاولات مستديرة” تُعقد لإنقاذ البلاد سياسياً وأمنياً، لكن أغلبها انتهى إلى الفشل الذريع. والسبب واضح: غياب الإرادة الحقيقية للإصلاح، وتغليب المصالح الحزبية والشخصية على مصلحة الوطن.
أما استغلال الدين، فهو الأخطر. فبعض من تصدّروا المشهد الديني والسياسي كانوا بالأمس لا يملكون قوت يومهم، واليوم أصبحوا أصحاب ثروات هائلة: عقارات، شركات، مزارع، ومواكب سيارات فارهة. كل ذلك جرى تحت لافتة “خدمة الدين” و”رعاية الناس”، بينما الفقراء يزدادون فقراً، والمساكين يُتركون لمصيرهم.
ولا يقلّ استخدام الرموز الوطنية خطورة. فشعار “العلم العراقي يجمعنا” جميل في ظاهره، لكنه يفقد معناه عندما يُرفع في وقتٍ شهد فيه البلد قتل الآلاف، وتهجير الأبرياء، وانتشار الخطف والتهديد. كيف يمكن لرمز الوحدة أن يكون شاهداً على هذا الكم من الانتهاكات؟
إن المواطن العراقي لم يعد تنطلي عليه هذه الشعارات. فقد رأى بعينه كيف تحوّلت الوعود إلى سراب، وكيف استُغل الدين والوطن لتحقيق مكاسب ضيقة. ما يحتاجه العراق اليوم ليس كلمات جديدة، بل أفعال حقيقية: عدالة، محاسبة، أمن، وخدمة صادقة للناس.
ختاماً، لا يمكن بناء وطن بالشعارات المزيّفة، ولا يمكن تحقيق الوحدة عبر استغلال الدين أو المتاجرة بالرموز. العراق أكبر من أن يكون وسيلة، وأقدس من أن يُستغل. ويبقى الأمل معقوداً على وعي الشعب، لأنه وحده القادر على كشف الزيف، واستعادة الوطن من أيدي من حوّلوه إلى غنيمة .