نوري جاسم
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها عالمنا اليوم، تتجدد الأسئلة الكبرى حول أسباب التعثر المزمن في بناء الدولة العادلة والمجتمع المتوازن. ولعل من أبرز هذه الأسئلة وأكثرها إلحاحًا: هل يكمن الخلل في النصوص التي نحتكم إليها، أم في الإنسان الذي يتولى فهمها وتطبيقها؟ ولقد بلغت النصوص – الدستورية والقانونية، بل وحتى القيمية – درجة عالية من الدقة والتنظيم، حتى غدت في كثير من الأحيان أقرب إلى الكمال النظري. ومع ذلك، ما زال الواقع يعج بالتناقضات والاختلالات، الأمر الذي يكشف عن فجوة عميقة لا تتعلق بالنص ذاته، بل بوعي الإنسان الذي يتعامل معه. فالنص، في جوهره، لا يتجاوز كونه إطارًا صامتًا، لا ينهض بوظيفته إلا حين يتجسد في سلوك حيّ، تحركه ضمائر يقظة وعقول راشدة. وإن التجارب الإنسانية، في محيطنا العربي وخارجه، تُظهر بوضوح أن قوة الدساتير لا تُقاس ببلاغة صياغتها فحسب، بل بمدى ترسخ ثقافتها في وجدان المجتمع. فحين يتحول احترام القانون إلى قيمة داخلية، لا إلى التزام خارجي مفروض، يصبح النص فاعلًا، وتتحول مواده من حبر على ورق إلى روح تسري في مفاصل الحياة. أما حين يغيب هذا الوعي، فإن أكثر النصوص إحكامًا تتحول إلى هياكل جامدة، يسهل الالتفاف عليها وتفريغها من مضمونها. ولعل الإشكالية الأعمق تكمن في أن الإنسان، حين يفتقد الوعي، لا يسيء تطبيق النص فحسب، بل يعيد تفسيره بما يخدم أهواءه ومصالحه، فيتحول النص من أداة للعدل إلى وسيلة للتبرير. وهنا تتبدد الغاية، ويضيع المعنى، ويصبح الخلل مركبًا: نصٌ صحيح في ذاته، لكنه واقعٌ في قبضة وعيٍ مضطرب. ولا يقتصر هذا الخلل على المجال السياسي أو القانوني، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. ففي العلاقات الاجتماعية، كما في مؤسسات الدولة، يظهر الأثر ذاته: ضعف في إدراك القيم، واختلال في ترتيب الأولويات، وانشغال بالمظاهر على حساب الجوهر. فتغدو المقارنة مرضًا اجتماعيًا، والتنافس ساحة لإثبات التفوق الشكلي، بدل أن يكون دافعًا للتكامل والبناء. من هنا، تتأكد الحاجة إلى إعادة توجيه البوصلة نحو الإنسان ذاته، بوصفه نقطة البداية لكل إصلاح. فبناء الوعي ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، تتقدم على سنّ القوانين وصياغة الدساتير. إنه المشروع الذي يعيد للإنسان اتزانه، ويمنحه القدرة على التمييز بين النص وروحه، بين الشكل والمضمون، بين الحق واستغلاله. وإن الوعي الحقيقي هو الذي يجعل الإنسان رقيبًا على نفسه قبل أن يكون خاضعًا لرقابة الآخرين، وهو الذي يحوّل الالتزام من عبء إلى قناعة، ومن خوف إلى مسؤولية. وبهذا المعنى، يصبح النص انعكاسًا لوعي المجتمع، لا بديلًا عنه. ختامًا، يمكن القول إن السؤال عن موضع الخلل يقودنا، في نهاية المطاف، إلى الإنسان لا إلى النص. فالنصوص، مهما بلغت من الإتقان، تبقى عاجزة عن صناعة واقع سليم ما لم تجد وعيًا يحتضنها ويمنحها الحياة. وإذا أردنا أن نؤسس لمستقبل مختلف، فلا بد أن نبدأ من حيث يكمن الحل: من بناء إنسانٍ واعٍ، يدرك أن النص ليس غاية في ذاته، بل أمانةٌ في عنقه، ومسؤوليةٌ في ضميره. فحين يسمو وعي الإنسان… يستقيم النص، ويستقيم معه كل شيء. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..