عرفان الداوودي
في مشهدٍ لا يخلو من الرمزية والدلالات العميقة، نُصب تمثالٌ يجسد بيشمركةً باسل، يحمل بيده علم كوردستان، ذلك العلم الذي لم يكن مجرد قطعة قماش، بل تاريخٌ من التضحيات ودماء الشهداء. لكن، وبعد أيامٍ قليلة، أُنزِل العلم الكوردستاني من يد التمثال، ورُفع مكانه العلم العراقي. وهنا لا تكمن المشكلة في رفع علم العراق، بل في الطريقة والرسالة التي يحملها هذا التغيير المفاجئ، وما رافقه من صمتٍ مريب.
السؤال الذي يفرض نفسه: أين هم أولئك الذين يملأون الفضاء ضجيجاً عندما تخدمهم الأحداث؟ لماذا لم نسمع أصوات “المطبلين” وهم يتحدثون عن إنزال علم كوردستان؟ لماذا لم تهتز أقلامهم وكتاباتهم وهم يرون رمزاً من رموز النضال الكوردي يُفرغ من معناه؟
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فهؤلاء أنفسهم، الذين يصنعون من الأحداث الصغيرة قضايا كبرى حين تناسب توجهاتهم، لم يتحدثوا عن قطع رواتب آلاف الموظفين في كوردستان، ولم يسلطوا الضوء على معاناة العائلات التي تعيش تحت ضغط اقتصادي خانق. لم نرَ لهم موقفاً واضحاً من القصف الذي يطال مناطق كوردستان، والذي يسفر عن شهداء وجرحى بين أبناء هذا الشعب.
أليس من الغريب أن تُختزل الوطنية في رفع علمٍ هنا أو هناك، بينما تُهمل قضايا إنسانية ومعيشية تمس حياة الناس بشكل مباشر؟
ثم نأتي إلى حادثةٍ أخرى، حيث قام شخصان – لا يمثلان إلا نفسيهما – برفع العلم العراقي بطريقة استفزازية في أربيل، متجاوزين حدود الاحترام والتعايش، وموجهين إساءات للشعب الكوردي وقياداته. ومع ذلك، يتم تضخيم هذا الفعل وكأنه يمثل إرادة شعبٍ كامل، بينما يُغض الطرف عن السياقات الحقيقية وعن نوايا زرع الفتنة.
وفي كركوك، يُمنع رفع علم كوردستان، وكأن الهوية الكوردية هناك يجب أن تُطمس أو تُخفى، في تناقضٍ صارخ مع مبادئ الشراكة والتعددية التي يُفترض أن يقوم عليها البلد.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد أحداث متفرقة، بل هو نمطٌ من الانتقائية في المواقف، حيث يُرفع الصوت حين يخدم أجندات معينة، ويُخفض حين يتعلق الأمر بحقوق شعبٍ بأكمله.
الشعب الكوردي، الذي قدّم التضحيات الجسام، لا يحتاج إلى من يزايد عليه بالشعارات، بل إلى مواقف صادقة، وعدالة حقيقية، واحترام متبادل. أما محاولات زرع الفتنة عبر منشورات مسمومة وخطابات حاقدة، فلن تنتج إلا مزيداً من الانقسام، ولن تخدم أحداً على المدى البعيد.
ختاماً، تبقى الحقيقة واضحة: الأعلام تُرفع وتُنزل، لكن الكرامة لا تُساوم، والحقوق لا تُختزل، والشعوب التي دفعت ثمن حريتها لن تقبل أن يُعاد تهميشها تحت أي ظرف .