نبيل عبد الأمير الربيعي
ليس بوسع الباحث المنصف أن يغفل الدور الحيوي للمسيحية المشرقية والعربية في مسار النهضة الفكرية والاجتماعية في العالم العربي، سواء داخل البلدان العربية نفسها أو في المهجر، حيث أسهم أقباط مصر وغيرهم بشكل واضح في الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية. أكد الإسلام على هذا التلازم منذ بداياته، كما ورد في الحديث النبوي الشريف: “استوصوا بأقباط مصر”(1)، ويمثل زواج النبي محمد بن عبد الله (ص) من ماريا القبطية مثالاً حياً على التفاعل المبكر بين المسلمين والمسيحيين.
وقد شكلت العلائق الثقافية والسياسية بين المسلمين والأقباط أرضية خصبة للتفاهم المشترك، لا سيما في عهد الدولة الفاطمية، وصولاً إلى مواقف البابا شنودة الثالث تجاه العدوان الإسرائيلي، حين قال: “لن يدخل الأقباط القدس إلا مع أشقائهم المسلمين”. هذا التصريح يبرز روح الأخوة والتكامل بين أبناء الديانتين، بعيداً عن أية نزاعات أو صراعات دينية.
عند العودة إلى المصادر الإسلامية، يتضح أن الغزوات التي خاضها المسلمون في أطراف الشام – مثل مؤتة وذات السلاسل وتبوك – لم تكن ضد المسيحيين، بل ضد جيش الروم. وقد أمر الرسول محمد (ص) بعدم إكراه النصارى على ترك دينهم، كما فعل مع معاذ بن جبلة وعمر بن حزام، بينما شهد التاريخ الإسلامي احترام حقوق الأمراء المسيحيين في اليمن وغيرها. ومن أعظم شواهد التسامح الإسلامي، لقاء وفد نصارى نجران بالرسول، حيث أتيح لهم الصلاة في المسجد متجهين نحو القدس، وهو دليل مبكر على التسامح الديني، الذي تنكّر له المتطرفون لاحقًا.
وقد تناول الحوار بين النبي ونصارى نجران موضوعات جوهرية مثل مولد السيد المسيح والألوهية والنبوّة، وخلّف هذا اللقاء عهداً يضمن للنصارى حماية دمائهم وأموالهم وأراضيهم وحرية ممارسة شعائرهم الدينية دون تدخل. وانتهى الأمر كذلك مع نصارى تغلب وقبائل أخرى، حيث حافظ أغلبهم على مسيحيته بحرية تامة، دون إكراه أو إجبار.
صحيح أن فترة الخلافة الراشدية شهدت اضطرابات وتجاوزات، لكن النصوص القرآنية والسيرة النبوية أظهرت دائماً حرص العقل الإسلامي على حماية أهل الكتاب، وتوفير الأمن لهم كجزء لا ينفصل عن العقد الاجتماعي الإسلامي.
إن جسور التواصل بين المسيحيين والمسلمين قامت على الإيمان الواحد واليوم الآخر، وظلت قاعدة “لهم ما لنا وعليهم ما علينا” تنظّم العلاقات، وتؤطر الحقوق والواجبات. وهذا نموذج يمكن تعميمه على مجموعات ثقافية ودينية أخرى، حيث لم يشهد التاريخ الإسلامي تطهيرًا دينياً أو قومياً، على عكس ما حدث في أوروبا في حرب الثلاثين عاماً، أو الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث أودت النزاعات الدينية والقومية بملايين الأرواح.
وفي ضوء ما تقدّم، يمكن القول إن العلاقة بين المسيحية المشرقية والإسلام ليست علاقة تصادم أو عداء، بل علاقة تلازم وتفاهم وصداقة متجذرة في التاريخ، تؤكد على احترام الآخر، وحماية حقوقه، والاستفادة من ثروته الثقافية كجزء من نسيج الأمة الواحدة.
المصادر:
1-صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب وصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مصر.