بيت الدولة

سمير ميراني

” الدولة ليست أرضاً نتقاسمها، بل عدلاً نتقاسمه ” مونتسكيو.
في التاريخ كثير من الأوطان، لكن القليل منها يصبح دولة بالمعنى الحقيقي، فالأرض قد تجمع شعوباً مختلفة، أما الدولة فلا تقوم إلا حين يجد المختلفون قاعدةً عادلة للعيش معاً.
من هنا تبدو العلاقة بين إقليم كوردستان والعراق الاتحادي أكثر من مجرد مسألة سياسية عابرة، إنها سؤال عن معنى الدولة نفسها، كيف يمكن لوطنٍ متعدد الهويات أن يبقى واحداً دون أن يطلب من أحد أن يتخلى عن ذاته؟
لقد عرف هذا البلد زمناً طويلاً اختلطت فيه الدولة بالسلطة، فبدلاً من أن تكون الدولة ميزاناً للعدل، أصبحت أحياناً أداةً للقوة، وفي مثل تلك اللحظات تولد المظلوميات، وتترسخ في ذاكرة الشعوب حتى تكاد تتحول إلى قدرٍ دائم.
وكان للكورد نصيبهم من تلك التجارب، غير أن الشعوب التي تبقى أسيرة جراحها لا تستطيع أن تبني مستقبلاً مختلفاً، لأن الذاكرة إذا لم تتحول إلى حكمة، تتحول إلى تكرارٍ للتاريخ، لهذا فإن السؤال المطروح اليوم ليس سؤال الماضي، بل سؤال الدولة، هل يمكن لوطنٍ متعدد أن يتحول إلى عقدٍ عادل بين مكوناته، أم يبقى مجرد توازن هش بين قوى متنافسة؟.
قي السياسة العميقة لا تقاس قوة الدولة بقدرتها على فرض الوحدة، بل بقدرتها على جعل الوحدة خياراً عقلانياً للجميع، فالدولة التي يشعر أحد شعوبها بأن مكانه فيها مؤقت، ليست دولة مستقرة مهما بدت قوية.
تأتي الفكرة التي كثيراً ما تقال ببساطة، الوطن بيتنا جميعاً، لكن هذه العبارة، حين تُفهم سياسياً، تعني شيئاً أعمق بكثير من مجرد صورة شاعرية، فالبيت لا يكون بيتاً لأن جدرانه قائمة، بل لأن العدل قائم بين أهله، وإذا اختل العدل في بيتٍ واحد، بدأ البيت نفسه يفقد معناه قبل أن يفقد جدرانه، لهذا فإن القول بأن العراق بيتٌ للجميع ليس مجازاً أدبياً، وإنما تعريفاً سياسياً للدولة، فالدولة بيت مشترك، لا لأن الجميع يعيشون فيه فقط، بل لأن حقوقهم فيه مصونة بالقدر نفسه.
وهنا يظهر الدور الحقيقي للدستور، فالدستور ليس مجرد نصٍ قانوني، بل القاعدة التي تمنع البيت المشترك من أن يتحول إلى ساحة تنازع بين ساكنيه، حين يُحتكم إلى الدستور، تتحول الخلافات إلى اختلافات يمكن تدبيرها، وحين يُهمل، يعود كل طرف إلى حماية نفسه بوسائله الخاصة، وكأن الدولة لم توجد أصلاً.
إن ما يسعى إليه الكورد في هذا السياق ليس خروجاً من الدولة، بل تثبيتاً لمعناها، فالشراكة في الدولة لا تقوم على الامتياز، بل على التوازن، ولا تستقر بالنيات، بل بالضمانات، والضمانة الوحيدة التي يمكن أن يقف عليها الجميع دون خوف هي القانون المشترك الذي ارتضوه لأنفسهم.” القانون هو الشكل الذي تتجسد فيه الحرية” -إيمانويل كانط.
(فمن إخرورط إليه هداه، ومن إخرورق عنه أرداه).
تتضح المفارقة البسيطة التي كثيراً ما تُغفل في السياسة، إن الطريق الأقصر إلى وحدة الدولة ليس في مطالبة الجميع بأن يكونوا متشابهين، بل في ضمان أن يكونوا متساوين أمام القاعدة التي تحكمهم، فعندما يصبح الدستور ميزان العلاقة بين مكونات الوطن، لا يعود الاختلاف تهديداً للوحدة، بل أحد أسباب بقائها، عندها فقط يصبح القول إن هذا الوطن بيتٌ للجميع حقيقةً سياسية، لا استعارة لغوية، لأن البيت الذي يقوم على العدل يبقى، أما البيت الذي يقوم على الغلبة، فإنه يسقط، حتى لو بقيت جدرانه قائمة.

قد يعجبك ايضا