أكيتو والأسود والمسيرات… إقليم كوردستان غطاء سلام يكسر عقول الشر

فينوس بابان

يبدأ المشهد اليوم في سماء المنطقة بتناقض صارخ يختصر صراع الوجود فبينما تحلق الطائرات المسيرة كأدوات صلبة لفرض إرادات سياسية عبر تكثيف الهجمات في الآونة الأخيرة على إقليم كوردستان واستهداف البنية التحتية والمصانع والمدنيين، تنبثق من الأرض قوة ناعمة عابرة للمكونات والحدود إن القراءة التحليلية المعمقة لهذا التصعيد تكشف أن ضرب المصالح الحيوية والمرافق الاقتصادية ليس مجرد استهداف عسكري عابر بل هو محاولة ممنهجة لتقويض السيادة الاقتصادية وضرب ركائز الأمن الطاقوي والإنتاجي الذي يسعى الإقليم لترسيخه كجزء من استقرار العراق الشامل. المستفيد من هذا الحقد هم الأطراف التي تخشى تحول الإقليم إلى مركز جذب للمستثمرين ومنصة إقليمية للطاقة والنمو، حيث يمثل نجاح نموذج الإقليم المؤسساتي تحدياً لمشاريع الفوضى التي تقتات عليها قوى شر العقول.
بيد أن هذا الاستهداف يرتطم بحقيقة إنسانية صلبة عصية على الكسر ففي ليلة البارحة حين اشتد أوار الاستهداف وتصاعدت وتيرة المسيرات، رأينا مشهداً يختصر كل التحليلات السياسية بدمعة وضحكة مواطن عراقي عربي وجد نفسه وعائلته تحت نيران التهديد، فلم يجد ملاذاً آمناً سوى التوجه نحو إقليم كوردستان، هذا الهروب نحو الشمال ليس مجرد انتقال جغرافي بل هو ارتماء في حضن الأمان الذي يوفره الإقليم لكل عراقي دون تمييز، إن لجوء هذا المواطن وعائلته إلى كوردستان هو أبلغ رد تحليلي على من يروجون لخطاب التجزئة فالمواطن البسيط يدرك بفطرته أن الإقليم هو مظلة الأمان التي لا تفرق بين مكون وآخر، هنا تفشل المسيرات في تحقيق هدفها النفسي لأنها بدلاً من أن تخيف الناس وتفرقهم دفعتهم للالتحام في بقعة واحدة يجمعها مصير مشترك، وهذا التلاحم الإنساني هو المحرك الحقيقي للدعم الدولي فالعالم اليوم لا يتعاطف مع القوة العسكرية بل ينحاز لنموذج التعايش الناجح الذي يطرحه الإقليم كشريك دولي موثوق.
إن التحليل الاستراتيجي يفرض علينا ألا نكتفي بقراءة اليوم فقط بل أن ننظر إلى الغد وبعد غد وهنا يبرز إقليم كوردستان لا كجغرافيا سياسية فحسب بل كـ غطاء للسلام ومظلة للأمل صُممت لكسر انسداد عقول الشر. إن فلسفة البقاء في الإقليم تقوم على معادلة زمنية صلبة الحقد لحظي وعابر لكن التعايش هو الثابت التاريخي إن وجود وفد الحزب الديمقراطي الكوردستاني في بغداد حالياً في ذروة هذا القصف الممنهج هو تجسيد حي لهذه الرؤية، فهي رسالة دبلوماسية استعلائية وفعل سياسي رفيع المستوى مفاده، مهما قصفتمونا بالنهار نمد يد السلام بالليل لأننا نؤمن بالمستقبل المشترك. هذا التحرك ليس ضعفاً بل هو قوة الدبلوماسية الوقائية التي تحرج المعتدي وتكشف زيف ادعاءاته، مؤكدة أن الإقليم يرفض الانجرار إلى مربع الفوضى ويتمسك بكونه الفاصل المبرد للصراعات التي تحاول حرق المنطقة وتفتيتها.
هذا التلاحم نراه جلياً في مباركة قادة إقليم كوردستان لعيد أكيتو الآشوري وفي التحام الكوردي بأخيه العربي والتركماني، والمسيحي بأخيه المسلم والإيزيدي والكاكائي والصابئي، إن هذه اللحظات ليست مجرد احتفالات عاطفية بل هي فعل سياسي مقاوم يُبطل مفعول الصاروخ في مهده، فكل محاولة لإرباك المدنيين تتحول بفعل إنسانية المصير إلى طاقة رفض صلبة إن احتفال المسلمين مع إخوتهم المسيحيين بعيد أكيتو تحت أزيز المسيرات هو أبلغ رد على محاولات التغيير الثقافي واحتضان شباب الإقليم لفرحة فوز المنتخب العراقي أسود الرافدين هو دليل قاطع على أن كرامة الإنسان ووحدة الوجدان فوق كل الاعتبارات السياسية الضيقة.
إن هذا المشهد الذي يجمع الأديان والقوميات كافة في خندق الفرح والوعي، هو الذي يكبّر الإقليم في ميزان الإنسانية الدولية، إن صوت التعايش الذي يطلقه المأذن وتتردد أصداؤه في الكنائس لا يمكن أن تخنقه آلاف المسيرات إن الغد الذي نخطط له في كوردستان هو غدٌ خالٍ من لغة النار غدٌ يُبنى فيه الاقتصاد وتُحمى فيه البنية التحتية بإرادة شعب يرفض الانكسار إن إنسانية المصير التي تجمعنا هي التي تحول الدمعة إلى وعي سيادي صلب فالمواطن العربي الذي هرب ليحمي أطفاله والمواطن الكوردي الذي فتح له أبوابه، والمثقف الذي يحلل هذا المشهد جميعهم يشكلون غطاء السلام الذي يكسر حقد من لا يقبلون أرض التعايش.
لقد فاز الإنسان فينا على آلة الحرب بفضل حكمة القيادة التي واجهت الحقد بالانفتاح والصواريخ بالبناء والعداء بالدبلوماسية، إن أكيتو والبطولة الرياضية وصمود المعامل والمصانع تحت القصف ولجوء المظلومين إلى كنف الإقليم هي الأدوات الحقيقية التي نكتب بها تاريخ الغد، وهنا تبرز الحقيقة التاريخية الكبرى، إن من يطلق المسيرة قد يمتلك التكنولوجيا، لكن من يحتفل بأكيتو ويستقبل عائلة نازحة يمتلك الروح والشرعية التاريخية والتاريخ يخبرنا دائماً أن التكنولوجيا قد تسيطر على السماء لساعة لكن الروح والتعايش هما اللذان يمتلكان الأرض للأبد، إن إقليم كوردستان اليوم لا يحمي نفسه فحسب بل يحمي فكرة العراق التي لا تُهزم الفكرة التي اختار أبناؤها من البصرة إلى أربيل أن يكونوا درعاً لبعضهم البعض، إلى صناع القرار في الداخل والمنطقة، إن ميزان القوة الحقيقي ليس في عدد المسيرات المنطلقة بل في القدرة على صناعة الاستقرار واحتضان التنوع الديني والقومي، إن نجاح الإقليم في أن يكون ملاذاً آمناً للمسلم والمسيحي والإيزيدي والعربي والكوردي هو رصيد سيادي للدولة العراقية بأكملها أمام المجتمع الدولي، وأي محاولة لإضعاف هذا النموذج هي انتحار سياسي واستهداف مباشر لمركز ثقل العراق الإنساني والاقتصادي، وإلى كل عراقي أصيلإن وحدتنا التي تجسدت في فرحة الملاعب وصلاة الكنائس وجمعتنا تحت راية الإنسانية هي السلاح المبرد الذي سيبطل مفعول سموم الفتنة سيبقى إقليم كوردستان ذلك الحصن الذي يكسر بسلامه عقول الشر ويفتح بآماله أبواب المستقبل لكل من يرفض أن يكون وقوداً لنار لا تبقي ولا تذر، إن الرهان اليوم ليس على من يمتلك آلة الحرب، بل على من يمتلك إرادة الحياة وغداً وبعد غد هو ملك لمن يزرع السلام، لا لمن يطلق المسيرات.

قد يعجبك ايضا