نوري جاسم
في عالم تتسارع فيه التحولات، وتتشابك فيه الثقافات، لم تعد الهوية الوطنية مفهومًا جامدًا مغلقًا، بل غدت كيانًا حيًا يتفاعل مع التنوع، ويستمد قوته من قدرته على الاستيعاب لا الإقصاء. إن التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمعات اليوم ليس في وجود التنوع، بل في كيفية إدارته، وتحويله من مصدر صراع إلى طاقة بناء، ومن عامل تفرقة إلى جسر للتلاقي.
فالهوية الوطنية، في جوهرها، ليست نقيضًا للتنوع الثقافي، بل إطارًا جامعًا له، يحفظ الخصوصيات ويصون المشترك. إنها الوعاء الذي تتلاقى فيه اللغات، والأعراق، والمذاهب، ضمن منظومة قيمية عليا تؤمن بالمواطنة والكرامة الإنسانية. ومن هنا، فإن قوة الهوية لا تُقاس بمدى انغلاقها، بل بقدرتها على احتضان الاختلاف ضمن وحدة متماسكة.
ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بوضوح في قوله تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا”، فالتنوع هنا ليس لعلة الصراع، بل لغاية التعارف، أي التفاعل الإيجابي الذي يبني المعرفة ويعزز الفهم المتبادل. كما أن أكرمية الإنسان لا تقوم على الانتماء الضيق، بل على التقوى والعمل الصالح، مما يفتح الأفق أمام إنسانية تتجاوز الحدود الضيقة للهويات المغلقة.
وفي التجربة النبوية، نجد نموذجًا حيًا لهذا التوازن، حيث أقام النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في المدينة مجتمعًا متعدد الانتماءات، ضم المسلمين واليهود وغيرهم، تحت مظلة “وثيقة المدينة”، التي أرست مبادئ التعايش، واعتبرت الجميع أمة واحدة في إطار الدولة، مع الحفاظ على خصوصياتهم الدينية والثقافية.
وهذا يؤكد أن التعدد لا يتعارض مع الوحدة، بل يمكن أن يكون أساسًا لها إذا أُحسن تدبيره. غير أن هذا التوازن الدقيق يتعرض اليوم لاختبارات قاسية، بفعل تصاعد النزعات المتطرفة، سواء تلك التي تنغلق على هوية ضيقة ترفض الآخر، أو تلك التي تذيب الهوية في موجات العولمة دون وعي أو تمييز. وفي كلا الحالتين، تضيع البوصلة، إما بفقدان الذات، أو برفض العالم.
إن المعادلة الصحيحة تكمن في بناء وعي جمعي يدرك أن الهوية الوطنية ليست قيدًا، بل فضاءً رحبًا، وأن التنوع الثقافي ليس تهديدًا، بل فرصة للإغناء. وهذا يتطلب دورًا فاعلًا للمؤسسات التعليمية والثقافية، في ترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز ثقافة الحوار، وتربية الأجيال على احترام الاختلاف بوصفه سنة كونية لا يمكن تجاوزها.
كما أن للإعلام دورًا محوريًا في هذا السياق، إذ يمكنه أن يكون أداة توحيد أو وسيلة تفريق، بحسب الخطاب الذي يتبناه. فحين يُسلط الضوء على المشتركات، ويحتفي بالتنوع، ويُعلي من قيم التعايش، فإنه يسهم في بناء مجتمع متماسك، أما حين يغذي الانقسامات، ويؤجج الصراعات، فإنه يهدم ما تبنيه المؤسسات الأخرى.
وعلى المستوى السياسي، فإن ترسيخ هذه المعادلة يتطلب أنظمة عادلة تضمن الحقوق المتساوية لجميع المواطنين، دون تمييز، وتوفر بيئة يشعر فيها كل فرد بأنه جزء أصيل من الوطن، لا غريب فيه. فالإقصاء يولد الاحتقان، بينما العدالة تُنتج الانتماء. وفي البعد الروحي والإنساني، فإن الإنسان حين يرتقي بوعيه، يدرك أن اختلاف الألوان واللغات والثقافات هو من جمال هذا الكون، لا من عيوبه، وأن التنوع هو تجلٍ من تجليات القدرة الإلهية، كما في قوله تعالى: “ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم”،
هنا يتحول الاختلاف من مصدر قلق إلى مجال للتأمل والإعجاب. وإن التعايش ليس مجرد ضرورة مرحلية، بل هو خيار حضاري طويل الأمد، يتطلب جهدًا مستمرًا، وصبرًا عميقًا، وإرادة صادقة. إنه فن إدارة الاختلاف، وحكمة الجمع بين المتباينات، دون أن يطغى أحدها على الآخر. وهكذا، فإن الحفاظ على الهوية الوطنية في ظل التنوع الثقافي لا يعني الانغلاق، كما أن الانفتاح لا يعني الذوبان، بل هو توازن دقيق بين الثبات والتجدد، بين الجذور والآفاق. وفي هذا التوازن، يكمن سر الاستقرار، ومفتاح النهضة، وطريق المستقبل. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما…