استفتاء كوردستان 2017: بين استحقاق الحق وقراءة الواقع الدولي

د.ازاد صالح نادراغا الراوندوزی
استاذ جامعي – مختص بادارة الاعمال

تمر الأعوام على استفتاء استقلال إقليم كوردستان الذي جرى في الخامس والعشرين من أيلول عام 2017، ليبقى السؤال الجوهري يتردد في الأوساط السياسية والشعبية: هل حان وقت تنفيذ تلك النتائج التي صوت لها أكثر من 92% من شعب كوردستان؟ إن الإجابة على هذا التساؤل تتطلب غوصاً في فلسفة “الحق” مقابل “الممكن”، وقراءة دقيقة لمتغيرات النظام الدولي وموازين القوى في الشرق الأوسط.

الاستفتاء.. رسالة ديمقراطية لا تموت
لا يمكن النظر إلى استفتاء 2017 كحدث عابر أو مجرد ورقة ضغط سياسية، بل هو وثيقة قانونية وأخلاقية تعبر عن إرادة شعبية حية. من الناحية المبدئية، فإن حق تقرير المصير هو حق مكفول في المواثيق الدولية، والاستفتاء منح هذا الحق شرعية دستورية وشعبية لا تسقط بالتقادم. ومع ذلك، فإن تنفيذ نتائج الاستفتاء لم يكن يوماً مرتبطاً بالرغبة الداخلية فقط، بل بالبيئة الإقليمية والدولية التي تحيط بالإقليم.
المتغيرات الجيوسياسية: قراءة في اللحظة الراهنة
إن الحديث عن تنفيذ نتائج الاستفتاء اليوم يستوجب النظر إلى جملة من التحديات والفرص:
1. العلاقة مع بغداد: في ظل الأزمات المالية والسياسية المستمرة، يرى الكثيرون أن “الكونفدرالية” قد تكون حلاً وسطاً واقعياً يحفظ حقوق الكورد السياسية والاقتصادية ضمن إطار قانوني يقلل من حدة الصدام المباشر، ويمهد الطريق لاستقلال تدريجي مبني على تفاهمات مشتركة.
2. المحيط الإقليمي: تظل المواقف الإقليمية (تركيا وإيران) لاعباً أساسياً في المعادلة. إن أي خطوة نحو الاستقلال تتطلب “دبلوماسية إدارية” عالية المستوى، تضمن للمحيط أن استقلال كوردستان سيكون عامل استقرار وتنمية اقتصادية للمنطقة، وليس تهديداً لأمنها.
3. الموقف الدولي: ما زال المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، يتمسك بوحدة العراق كأولوية في سياساته الحالية. لذا، فإن التحرك نحو التنفيذ يحتاج إلى حشد دعم دولي جديد ينطلق من نجاح تجربة الإقليم في مكافحة الإرهاب وبناء مؤسسات ديمقراطية مستقرة.
الحكمة السياسية: متى تدق الساعة؟
إن تنفيذ نتائج الاستفتاء ليس مجرد إعلان سياسي، بل هو عملية بناء متكاملة. الحكمة تقتضي أن يكون البيت الكوردي موحداً في رؤيته الاستراتيجية، وأن تستمر عملية “الإصلاح الإداري والرقمي” وتقوية البنية التحتية الاقتصادية ليكون الإقليم قادراً على الاعتماد على ذاته في حال اتخاذ القرار المصيري.
الاستفتاء لم يفشل، بل وضع “خارطة طريق” للمستقبل. وتوقيت التنفيذ يعتمد على نضوج الظرف الدولي ووصول الحوار مع بغداد إلى طريق مسدود لا يضمن حقوق الكورد الأساسية كشركاء حقيقيين في الوطن. يبقى استفتاء 2017 “الحلم المؤجل” الذي ينتظر لحظة تاريخية تتلاقى فيها الإرادة الشعبية مع الظرف الدولي المواتي. إن تنفيذ النتائج هو استحقاق تاريخي، لكنه يحتاج إلى نَفَس طويل ودبلوماسية هادئة تحول “الحق” إلى “واقع” معترف به دولياً، يضمن للأجيال القادمة وطناً آمناً ومستقراً.

قد يعجبك ايضا