صوت الحق في زمن الفوضى.. قراءة في بيان الرئيس مسعود بارزاني إلى الرأي العام

عرفان الداوودي

في لحظة إقليمية مضطربة، حيث تختلط الحسابات السياسية بصخب السلاح وتضيع الحدود بين الدولة واللا دولة، جاء بيان الرئيس مسعود بارزاني ليضع النقاط على الحروف، ويعيد توجيه البوصلة نحو حقيقة لا يمكن إنكارها: إقليم كوردستان لم يكن يومًا طرفًا في صراعات الآخرين، بل كان ولا يزال نموذجًا للاستقرار وسط بحرٍ متلاطم من الأزمات.

إن الرسالة التي حملها البيان ليست مجرد موقف سياسي عابر، بل تعبير صادق عن معاناة شعبٍ تعرض مرارًا لاعتداءات غير مبررة، بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية. أكثر من 450 هجومًا ليست أرقامًا عابرة، بل شواهد دامغة على حجم التهديد الذي يواجهه الإقليم، وعلى خطورة السكوت الدولي والداخلي تجاه هذه الانتهاكات.

ما يميز خطاب الرئيس بارزاني هو وضوحه وشجاعته في تسمية الأشياء بأسمائها. فهو لم يكتفِ بالإدانة، بل وضع الحكومة الاتحادية أمام مسؤولياتها الدستورية والأخلاقية: إما أن تتحمل واجبها في حماية السيادة ومنع الجماعات الخارجة عن القانون، أو تعترف بعجزها أمام شعبها والتاريخ. إنها لحظة مفصلية تتطلب قرارات حاسمة، لا بيانات بروتوكولية ولا لجان شكلية.

إن استهداف منزل نيجيرفان بارزاني في دهوك لم يكن مجرد حادثة أمنية، بل رسالة خطيرة تمس كرامة كل بيت في كوردستان. وكما أشار البيان، فإن القضية ليست شخصًا أو موقعًا، بل هي استهداف لرمزية الاستقرار والتعايش الذي يمثله الإقليم.

ورغم كل ذلك، يبرز موقف القيادة الكوردستانية بمستوى عالٍ من المسؤولية، حيث اختارت الصمت في مراحل سابقة لتجنب تأجيج الشارع، وهو موقف يعكس حكمة سياسية نادرة في منطقة تُدار فيها الأزمات غالبًا بردود الفعل المتسرعة. لكن هذا الصمت لم يعد ممكنًا في ظل تصاعد الاعتداءات، وهو ما يجعل البيان الحالي بمثابة إنذار أخير بضرورة وضع حد لهذا النزيف المستمر.

إن إقليم كوردستان، الذي احتضن ملايين النازحين وكان ملاذًا للأمن والتعايش، يستحق حماية حقيقية لا شعارات. كما أن قوات البيشمركة، التي لعبت دورًا محوريًا في مواجهة الإرهاب، لا يجوز أن تتحول إلى هدف مفتوح لهجمات غير مشروعة.

في ختام بيانه، يؤكد الرئيس بارزاني أن إرادة شعب كوردستان أقوى من كل التهديدات، وأن القضية العادلة لا تُهزم بالقصف ولا تُكسر بالإرهاب. وهذه ليست مجرد كلمات، بل حقيقة أثبتها التاريخ مرارًا.

إن دعم هذا الموقف ليس انحيازًا سياسيًا، بل هو وقوف إلى جانب الحق والاستقرار، ودعوة صريحة لكل القوى الوطنية والدولية لتحمل مسؤولياتها في حماية كيانٍ يسعى للسلام في زمنٍ يهيمن عليه العنف.

كوردستان ليست ساحة حرب… بل رسالة سلام يجب أن تُحمى.

قد يعجبك ايضا