ع.غ.الكوردي
في لحظةٍ حساسة من تاريخ العراق السياسي، يأتي الاعتداء الصاروخي الذي استهدف مكان إقامة السيد رئيس إقليم كوردستان (نیچیرڤان البارزانی) في محافظة دهوك، إلى جانب مواقع أخرى، ليطرح أسئلة جوهرية تتعلق بطبيعة الدولة وحدود سيادتها، ويكشف في الوقت ذاته عن حجم التحديات الأمنية والسياسية التي ما تزال تعصف بالبنية الوطنية.
إن استهداف موقع رسمي يرتبط برئيس الإقليم، الذي يشغل منصبًا دستوريًا ضمن منظومة الدولة العراقية، لا يمكن قراءته كحادث أمني عابر، بل هو في جوهره اعتداء مباشر على سيادة الدستور العراقي، الذي أقرّ بوضوح طبيعة النظام الاتحادي وشرعية مؤسساته. فحين تُستهدف رمزية سياسية بهذا المستوى، فإن الرسالة لا تُوجَّه إلى شخص بعينه، بل إلى فكرة الشراكة السياسية ذاتها، وإلى الإطار الدستوري الذي ينظم العلاقة بين بغداد وأربيل.
وما يزيد من خطورة هذا الاعتداء، أنه طال شخصية عُرفت بتوازنها السياسي وقدرتها على إدارة التباينات ضمن خطاب عقلاني بعيد عن التصعيد. إن استهداف شخصية متزنة تسعى إلى بناء الجسور لا إلى هدمها، يفتح الباب أمام تساؤلات مقلقة: هل المقصود هو تقويض الاعتدال نفسه؟ وهل هناك من يعمل على دفع المشهد نحو مزيد من الاستقطاب والتوتر؟
وفي هذا السياق، لا يكفي أن تكتفي الحكومة الاتحادية في بغداد ببيانات التنديد والاستنكار، على أهميتها الرمزية، بل بات لزامًا عليها أن تتحمل مسؤولياتها الدستورية الكاملة. إن حماية المواطنين والمؤسسات، وضمان الأمن في جميع أنحاء البلاد، هي من صميم واجباتها، وهذا يتطلب إجراءات عملية واضحة تبدأ بالتحقيق الجاد، ولا تنتهي عند حدود الكشف عن الجهات المنفذة والمخططة، ومحاسبتها وفق القانون.
إن الغموض في تحديد الجهة المسؤولة لا يخدم سوى من يسعى إلى زعزعة الاستقرار، بل ويؤدي إلى تأزيم العلاقات بين المكونات القومية في البلاد. فمثل هذه الاعتداءات، حين تُترك بلا كشف أو محاسبة، تتحول إلى أدوات لإثارة الشكوك وتغذية الخطابات المتشنجة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على النسيج الاجتماعي الهش أصلًا.
إن العراق اليوم بحاجة إلى خطاب وطني جامع، وإلى مواقف حازمة تعيد الاعتبار لهيبة الدولة وسيادة القانون. فالتهاون في مثل هذه الحوادث لا يهدد أمن إقليم أو محافظة فحسب، بل يضع مجمل التجربة الاتحادية أمام اختبار حقيقي. وبينما تتجه الأنظار إلى الجهات المعنية، يبقى الأمل معقودًا على أن تكون هذه الحادثة نقطة تحول نحو ترسيخ دولة المؤسسات، لا مناسبة جديدة لإعادة إنتاج الأزمات.