علي الجبران
لا يقتل الاغتيال السياسي الجسد فحسب، بل يستهدف ما هو أبعد من ذلك بكثير: “الفكرة” التي يمثلها، و”المشروع” الذي يسعى لترسيخه في بنية الدولة. إنه ليس فعلاً معزولاً من العنف، بل أداة ممنهجة في سياق صراع الإرادات، حيث تلجأ قوى الفوضى إلى تعطيل مسارات التاريخ عبر تصفية حاملي مشاريع الاستقرار. وعند قراءة التاريخ بعين تحليلية، يتكشف خيط ناظم يربط بين استهداف شخصيات سياسية مفصلية على المسرح الدولي. لكن الربط بين ضفتي الاطلسي، من الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر إلى إقليم كوردستان في القرن الحادي والعشرين، يكشف لنا أن “الاعتدال” في عالم مضطرب قد يكون أخطر من التطرف نفسه في نظر أعداء الدولة.
فلسفة الاغتيال: هندسة الفوضى وإزاحة العقلانية
الاغتيال السياسي ليس مجرد جريمة، بل هو فعل “هندسة استراتيجية للفوضى”. تستهدف هذه العمليات شخصيات بعينها، غالباً ما تتسم بالاتزان، والقدرة على بناء التوافقات، وإدارة التناقضات ضمن أطر مؤسساتية. هذه الشخصيات تمثل تهديداً وجودياً لمشاريع التطرف، لأنها تنزع عنها بيئة الاشتباك، وتغلق أبواب الفوضى التي تتغذى عليها. في هذا السياق، لا يكون الهدف إنهاء حياة فرد، بل ضرب فكرة “الدولة الممكنة”، وتقويض الثقة بالمسارات السلمية، ودفع المجتمعات نحو الاستقطاب الحاد، حيث يسهل التحكم بها وإعادة تشكيلها وفق منطق الصراع الصفري.
أبراهام لينكولن: اغتيال الحرية في لحظة الانتصار
في 14 أبريل 1865، أطلق جون ويلكس بوث رصاصته التي أنهت حياة الرئيس الأمريكي، لكنّها في جوهرها كانت تستهدف مشروعاً سياسياً متكاملاً: إعادة بناء الولايات المتحدة على أسس جديدة من الحرية والمواطنة. لم يكن اغتيال لينكولن فعلاً انتقامياً فردياً، بل تعبيراً عن رفض عميق لمشروع “إعادة التأسيس” الذي قاده بعد الحرب الأهلية الأمريكية. لقد مثل الرجل لحظة انتقال تاريخي من دولة منقسمة إلى كيان يسعى لترسيخ وحدة دستورية قائمة على إنهاء العبودية. كان القاتل ومن يقف خلفه يدركون أن بقاء لينكولن يعني ترسيخ مسار لا رجعة فيه نحو دولة المؤسسات، لذلك جاء الاغتيال كمحاولة لإرباك هذه اللحظة المفصلية، وفتح الباب أمام احتمالات الفوضى والانقسام من جديد.
نيجيرفان بارزاني: الاعتدال كهدف مباشر
في السياق العراقي والكوردستاني، لا تختلف منطقية الاستهداف كثيراً. إن أي محاولة للنيل من شخصية سياسية بحجم نيجيرفان بارزاني لا يمكن قراءتها خارج إطار استهداف “النموذج السياسي” الذي يمثله. حيث يمثل بارزاني تياراً سياسياً يقوم على التوازن بين الهوية الوطنية والانفتاح الإقليمي، وعلى إدارة الأزمات عبر أدوات الدبلوماسية بدلاً من الانزلاق إلى المواجهة. وهذا النمط من القيادة يُعد مقلقاً لقوى الفوضى، لأنه يضيق عليها مساحات التأثير، ويعزز فكرة الدولة القابلة للحياة داخل بيئة إقليمية معقدة. اما من الناحية الدستورية، يشكل موقع رئاسة إقليم كوردستان جزءاً من معادلة السيادة داخل النظام الاتحادي العراقي. وبالتالي، فإن استهداف هذا الموقع هو، في جوهره، استهداف لبنية الاستقرار السياسي في العراق، ومحاولة لإعادة إنتاج الهشاشة في أحد أكثر أقاليمه استقراراً.
بين الحرب والدبلوماسية: مساران نحو الهدف ذاته
ثمة مفارقة لافتة بين تجربتي لينكولن وبارزاني، رغم اختلاف السياقين. الأول وجد نفسه في قلب حرب أهلية، واضطر إلى استخدام القوة للحفاظ على الكيان السياسي المهدد. أما الثاني، فقد واجه أزمات معقدة—خصوصاً بعد استفتاء استقلال إقليم كوردستان 2017—لكنه اختار مسار التهدئة وإعادة بناء العلاقات عبر الحوار. ورغم اختلاف الأدوات، فإن الهدف كان واحداً: حماية الكيان السياسي من الانهيار، ومنع الانزلاق إلى صراعات مفتوحة. هذا التشابه في “الغاية الاستراتيجية” يفسر لماذا يصبح كلا النموذجين هدفاً محتملاً لقوى ترى في الاستقرار تهديداً مباشراً لمصالحها.
لماذا يُستهدف “النموذج الناجح”؟
حين تمتد يد العنف إلى مناطق مستقرة نسبياً، مثل دهوك، فإن الرسالة تتجاوز الحدث الأمني ذاته. هنا لا يكون الهدف وجوداً عسكرياً أو نفوذاً خارجياً، بل استهداف “رمزية النجاح” في بيئة مضطربة. النموذج المستقر يُعد خطراً لأنه يقدم بديلاً، ويطرح سؤالاً مقلقاً لبقية الفواعل: لماذا تنجح هذه التجربة بينما تفشل أخرى؟ ومن هنا، يصبح ضرب هذا النموذج ضرورة استراتيجية لمن يسعى إلى إبقاء المنطقة في حالة سيولة (سياسية) دائمة.
الخاتمة: الاغتيال وحدود القوة
يعلمنا التاريخ أن الاغتيال قد ينجح في إيقاف الأشخاص، لكنه يفشل غالباً في إيقاف الأفكار. بل إن كثيراً من هذه العمليات تُسهم (على المدى البعيد) في تكريس الرمزية السياسية للضحايا، وتحويل مشاريعهم إلى مرجعيات أخلاقية ووطنية. فبين رصاصة أودت بحياة لينكولن، ومحاولات تستهدف قيادات معاصرة مثل نيجيرفان بارزاني، تتكرر الحقيقة ذاتها: أن الاعتدال، رغم هدوئه، هو التهديد الأكثر عمقاً لقوى الظلام، وأن مشروع الدولة، مهما تعرض للاهتزاز، يظل أقوى من أن يُغتال.