اركان حميد خانقيني
منذ أن وعيت على ما يجري حولي، وأنا أتابع عبر شاشات التلفاز وأثير الإذاعات، ولاحقاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائط الإعلام الرقمية، أخبار الحروب التي اندلعت في منطقتنا والعالم. بدأت هذه المشاهد في ذاكرتي مع الحرب العراقية-الإيرانية، ثم حرب الخليج بعد دخول العراق إلى الكويت، مروراً بالأحداث التي انتهت بإسقاط النظام عام 2003. كما شاهدنا جميعاً حروباً أخرى في المنطقة، مثل حرب الاثني عشر يوماً بين إيران وإسرائيل، والحرب بين إسرائيل وحزب الله في جنوب لبنان، وصولاً إلى الصراعات الدائرة اليوم.
وخلال كل هذه الحروب، سقط آلاف من الضحايا والجرحى، وهو أمر مؤلم لكنه للأسف متوقع في سياق الحروب والصراعات المسلحة. وغالباً ما تمر هذه الخسائر وسط ضجيج المعارك والأحداث دون أن تثير الكثير من ردود الفعل الدولية، لأن العالم اعتاد أن يرى الضحايا يسقطون حين تندلع الحروب.
لكن ما لفت انتباهي مؤخراً، ودفعني إلى كتابة هذه السطور، هو حجم الإدانات والتعاطف الذي صدر من دول العالم، إقليمياً ودولياً، بعد استهداف مقرات قوات الپێشمهرگة من قبل إيران. تساءلت حينها: لماذا كل هذا التعاطف الواسع مع هذه القوات تحديداً؟
لم أحتج إلى وقت طويل لأجد الجواب. فقوات الپێشمهرگة، منذ تأسيسها، لم تُعرف كقوة اعتداء أو توسع، ولم تكن يوماً طرفاً يبدأ الحروب أو يسعى لفرض إرادته بالقوة على الآخرين. بل كانت على الدوام قوة دفاعية، نشأت لحماية شعبها والدفاع عن حقوقه. ولهذا اكتسبت سمعة مختلفة عن كثير من التشكيلات العسكرية في المنطقة؛ سمعة تقوم على الدفاع والاستقرار لا على الهجوم وزعزعة الأمن.
لقد كانت الپێشمهرگة، عبر تاريخها، مصدر أمان للأصدقاء وسداً منيعاً أمام محاولات الاعتداء على إقليم كوردستان وشعبه. وهذا ما جعلها نموذجاً لقوة عسكرية تؤدي دورها في حماية الأرض والإنسان، لا في تهديد الآخرين.
ويكفي التذكير بمواقف تاريخية مهمة لقائد الثورة الكوردية والاب الروحي للشعب الكوردي الملا مصطفى البارزاني الخالد، حيث كان يوقف العمليات العسكرية ضد الجيش العراقي عندما يتعرض العراق الى أزمات او يدخل حربا على جبهات اخرى غير الجبهة الكوردية، حدث ذلك رغم أن الجيش العراقي كان قد خاض لسنوات حرباً ضد الپێشمهرگة وضد الشعب الكوردي، واستخدم مختلف أنواع الأسلحة في تلك المواجهات. ومع ذلك، اختار الملا مصطفى البارزاني تغليب الموقف الوطني والضمير الإنساني على حسابات الصراع.
مثل هذه المواقف، وغيرها كثير، هي التي دفعت حتى الخصوم قبل الأصدقاء إلى الإشادة بالپێشمهرگة وقادتها. وقد عبّر عن ذلك بعض السياسيين العراقيين أنفسهم، حين أشاروا إلى أن الرئيس والپێشمهرگة مسعود بارزاني يُعد قائداً سياسياً كبيراً لا يستغل الأزمات لتحقيق مكاسب ضيقة، ولا يوظف ظروف العراق والمنطقة لخدمة مصالح شخصية أو حزبية، ويشهد له بذلك الأعداء والخصوم قبل الأصدقاء.
من هنا يمكن فهم سبب موجة الإدانات والتعاطف التي رافقت استهداف الپێشمهرگة. فذلك التعاطف لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تاريخ طويل من التضحيات والمواقف التي كرست فيها هذه القوات سلاحها وشجاعتها للدفاع عن شعبها، وحماية أمن كوردستان، ونصرة المظلومين.
إن مهمة الپێشمهرگة، كما عرفها التاريخ، لم تكن يوماً الهجوم على الآخرين، بل الدفاع عن الأرض والكرامة والحقوق. ولهذا بقيت في نظر كثيرين قوةً للدفاع والاستقرار، لا أداةً للحروب والاعتداءات.