نوروز الكورد في مصر تحت ظلال أرواح شهداء البيشمركه

أد. محمود زايد

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تشهد القاهرة احتفال الكورد فيها ومحبيهم بعيد النوروز؛ فمنذ سنوات ليست بالقليلة يحرص المصريون في مارس من كل عام على مشاركة إخوانهم الكورد في إحياء هذه المناسبة القومية المهمة في تاريخ ووجدان الشعب الكوردي. لكن فاعليات الاحتفال بنوروز هذه السنة التي أقامها مكتب الحزب الديمقراطي بالقاهرة، كان لها سمت مختلف، وطابع استثنائي، وصبغة غير التي اعتادنا عليها في كل مرة؛ فلا موسيقى، ولا دبكة، ولا مظاهر بهجة، حتى إن بعض الحاضرين من المصريين تساءل متعجبًا: هل نحن حقًّا في أجواء النوروز؟!
لقد كان الاحتفال بالنوروز في القاهرة هذا العام نوروز احترام وتبجيل لأرواح الشهداء التي صعدت لباريها جراء العدوان الإيراني على معسكر لقوات البيشمركه في إقليم كوردستان العراق، أسفر عن استشهاد ستة وإصابة ثلاثين من قوات هذا المعسكر.
لم يشف الغليل اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لرئيس إقليم كوردستان نيجيرفان البارزاني، وإبلاغه أن ذلك تم عن طريق الخطأ ويتم التحقيق فيها.
يا بزشكيان: ماذا يفيد اعتذارك لحياة هؤلاء الأبرياء التي ذهبت أرواحهم غدرًا ودون سابق إنذار؟! ماذا يفعل اعتذارك لعوائلهم المكتوين بصدمة الخبر وفاجعة القدر ونار الفراق؟! هل سيغفر اعتذارك جريمةَ انتهاك السيادة لأرض وشعب فرض على نفسه احترام الآخرين، وجعل السلام مبدأه في كل وقت وحين؟! فالعالم أجمع تابع ورأى بعينه رَفْضَ الكورد المشاركة في الحرب الدائرة بأي شكل من الأشكال، معلنين أنها حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وأن حوار سنة أفضل من ساعة حرب واحدة. أَبَعْدَ كل هذا تعتدي قواتك عليهم بهذا الشكل السافر؟!
إنها فاجعة حقًّا من شأنها أن تغيّر مزاج أي مناسبة سعيدة، وتعمّ الحزن على فاعليات أي ذكرى قومية، وتحول المياه الجارية إلى راكدة، والبساتين اليانعة إلى ذابلة. فالأمر يتعلق بالبيشمركه الذي حاربوا داعش ودحروها نيابة عن العالم في وقت انهارت أمامهم دول وجيوش.
إن كلمة السفارة العراقية التي ألقاها نائب السفير الدكتور مهند المياحي بالنيابة عن السفير العراقي لم تخرج بعيد عن حالة الحزن تلك، رغم ما حوته من أصرار وتحدٍّ يفيد أن جميع المكونات العراقية تستهجن هذا الاعتداء الجبان، وأن ذلك لن يجر العراق إلى التوريط في هذه الحرب، كما أنه لن يثنيه أحد عن مواصلة دعم كل الطرق الدبلوماسية وحل كل المشكلات عن طريق الحوار. وتتويجًا لموقف السفارة الواضح، طلب نائب السفير من جميع الحضور قراءة الفاتحة على شهداء البيشمركه والجيش العراقي.
على الخط ذاته، ولو بنبرة أشد في رفض العدوان الإيراني واعتداءات فصائله الموالية، جاءت كلمة مسؤول مكتب الحزب الديمقراطي في القاهرة السيد: شيركو حبيب، الذي طلب فيها من الحضور الوقوف دقيقة حدادًا على أرواح شهداء البيشمركه، وأكد على علو مكانة الإنسان الكوردي والبيشمركه، وأن كل قطر دماء تسيل جرّاء أي اعتداء لن تذهب سدى، وأن الاعتداء على إقليم كوردستان خط أحمر، وأن حكومته قادرة على تحدي ومواجهة أي عدوان في أي وقت وفي أي مكان، لكنها لاتزال تتمسك بخيار السلام الذي يجب أن يعم كل البلدان وتتحلى به كل الشعوب، دون النظر إلى خلاف عرقي أو ديني أو مذهبي.
لقد كان حريًّا فعلاً أن تؤثر هذه الأجواء في الحضور من المصريين، الذين جاءوا إلى الاحتفالية باستعداد وذهنية معتادة عن نوروز، لكنهم عادوا منها إلى بيوتهم بتصوّر مختلف تظلله أرواح شهداء البيشمركه، وتترسم تفاصيله في علو قيمة المواطن الكوردي أيًّا كان موقعه عند قادته ومسؤوليه الذي لا ينفكون ليل نهار عن وجوب بقاء كرامة مواطنيهم مرفوعة شامخة مثلها مثل بقية الشعوب الحرة.

قد يعجبك ايضا