ياسر بادلي
ليس التناقض هنا تفصيلاً يمكن تجاوزه، بل هو صدمة أخلاقية كاملة الأركان.
كيف لأوروبا، التي نصّبت نفسها حارسًا لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، أن تستقبل شخصية يثقل تاريخها بكل هذه الاتهامات؟
بأي منطق يُطلب من الذاكرة أن تصمت، ومن الضحايا أن يتواروا، فقط لأن الخطاب تغيّر والبدلة أصبحت أكثر أناقة؟
الجولاني يقف أمام مرآة، نعم.
لكن المرآة لا تعكس ما يريد أن يراه، بل ما يراه العالم فيه: سجلًّا مثقلًا باتهامات دامية، واسمًا ارتبط في نظر كثيرين بمآسي لم تقتصر على شعب واحد.
الحديث هنا ليس عن سرديات متضاربة فحسب، بل عن اتهامات وحقائق واسعة النطاق تتعلق بسفك دماء السوريين والعراقيين، وبانتهاكات طالت مكونات كاملة، من الكورد إلى العلويين والدروز.
ذاكرة لا تُمحى ببيان سياسي، ولا تُدفن تحت سجادة المصالح.
وليس سرًا أن ماضيه يتقاطع مع دوائر التشدد العنيف، وارتباطات سابقة بأسماء مثل الزرقاوي تعود اليوم لتطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل نحن أمام تحوّل حقيقي، أم مجرد إعادة تدوير لصورة قديمة بطلاء جديد؟ هل تغيّر الجوهر، أم تغيّر السياق فقط؟
ما يحدث ليس مجرد زيارة دبلوماسية، بل اختبار قاسٍ لمصداقية الخطاب الأوروبي. القيم لا تُقاس بما يُقال في المؤتمرات، بل بمن يُصافَح على أرض الواقع.
وحين تُفتح الأبواب لشخصيات متطرفة ومثيرة لكل هذا الجدل، يصبح السؤال مشروعًا: هل المبادئ ثابتة، أم أنها تنحني كلما مرّت رياح المصالح؟
الازدواجية لم تعد تُهمس، بل تُقال بصوت عالٍ.
كيف تُفرض العقوبات باسم حماية المدنيين في مكان، بينما يُمنح القبول السياسي لمن تُلاحقه اتهامات بانتهاك تلك القيم نفسها في مكان آخر؟ أي منطق هذا الذي يفرّق بين الضحايا وفق خرائط النفوذ؟
في النهاية، لا يتعلق الأمر بشخص واحد، بل بصورة عالم يختبر نفسه أمام مرآة الحقيقة.
فإما أن تكون القيم خطوطًا حمراء لا تُمس، أو تتحول إلى شعارات قابلة للتبديل.
أما المصافحة التي تتم اليوم، فقد لا تُقرأ كخطوة دبلوماسية بقدر ما تُسجَّل كاعترافٍ صامت بأن المصالح قادرة على غسل أكثر الصفحات سوادًا… ولو مؤقتًا.