سالي علي
في كل عام، لا يأتي نوروز بوصفه مجرد مناسبة احتفالية للشعب الكوردي، بل كاختبارٍ متكرر لمدى تقبّل هذا الوجود في المجال العام. وبين رمزية العيد وتكرار التوترات التي ترافقه، يتجاوز المشهد حدود الثقافة ليكشف إشكالية أعمق تتعلق بإدارة التنوع وحدود الاعتراف بالهوية.
في الشرق الأوسط، لا تُقاس جميع المناسبات بالمعنى ذاته؛ فبعضها يمر كطقس عابر، فيما يكشف بعضها الآخر ما هو أعمق من مجرد احتفال. وينتمي نوروز، بالنسبة للشعب الكوردي، إلى هذا النوع.
فهذا العيد لا يُختزل في كونه بداية فصل الربيع، بل هو تعبير متجذر عن هوية قومية وذاكرة تاريخية ممتدة عبر الجغرافيا. ومن هذا المنطلق، فإن حضوره في المجال العام لا يُعد تفصيلًا ثقافيًا، بل تجسيدًا لحق مشروع في التعبير عن الذات.
الإشكالية لا تكمن في نوروز ذاته، بل في الكيفية التي يُتعامل بها معه. فمع اقتراب هذا العيد من كل عام، تتكرر أنماط مقلقة من التوتر، حيث تتحول بعض الحوادث الفردية إلى مبرر لتوسيع دائرة التفاعل بشكل يتجاوز الفعل نفسه، ليطال أحيانًا بيئة اجتماعية أوسع.
وفي هذا السياق، فإن أي تصرف فردي — مهما كان توصيفه — لا يمكن أن يُتخذ ذريعة لتبرير ردود فعل جماعية، أو لتكريس مناخ من التوتر والاحتقان. فالفارق واضح بين خطأ فردي، وبين تحميل مجتمع كامل تبعاته.
الأكثر إشكالية هو ما قد يرافق ذلك من تراجع في دور الجهات المسؤولة عن حفظ الأمن، أو غياب الاستجابة الكافية لحماية المدنيين، بما يفتح المجال أمام ممارسات تمسّ الاستقرار المجتمعي وتؤثر على حياة الناس اليومية. وهنا تنتقل المسألة من كونها حادثة محدودة إلى قضية تتعلق بفعالية إدارة الأمن، ومسؤولية حماية المواطنين دون تمييز.
إن تكرار هذه المشاهد لا ينعكس سلبًا على الكورد وحدهم، بل يطال فكرة التعايش نفسها، إذ يساهم في خلق بيئة من الشك المتبادل، ويُضعف الثقة، ويفتح المجال أمام قراءات متوترة لا تخدم استقرار المجتمع.
لقد طُرحت في مراحل سابقة صيغ للتفاهم والشراكة، وكان الحديث يدور حول بناء مشترك يقوم على احترام التنوع. غير أن هذه المفاهيم تفقد معناها عندما لا تُترجم إلى ممارسات فعلية على الأرض، تضمن كرامة الإنسان وتحمي حقوقه الأساسية.
نوروز، في جوهره، ليس ساحة صراع، ولا مناسبة لقياس الولاءات، بل حق ثقافي وقومي ينبغي أن يُصان. وأي مقاربة تُحمّله ما لا يحتمل، أو تُخرجه من سياقه الطبيعي، تسهم في تعقيد المشهد بدل معالجته.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في المناسبة، بل في كيفية إدارتها، وفي القدرة على التعامل مع التنوع بوصفه عنصر قوة، لا مصدر توتر.
وفي ظل الظروف الحالية، يبقى الوعي هو الضامن الأساسي لتفادي الانزلاق نحو مسارات لا تخدم أحدًا، والحفاظ على ما تبقى من مساحات مشتركة.
نوروز حقّ لا يُفاوض عليه… واحترامه ليس مجاملة سياسية، بل اختبار حقيقي لمدى الإيمان بالتعددية.