عبدالباسط سيدا
كان لمشهد عشرات الآلاف من الشباب الكرد الذين تجمعوا في نصيبين، وحاولوا اقتحام الحدود والدخول إلى قامشلي بهدف مناصرة كرد سوريا، وذلك لمواجهة المخاطر التي كانت تهدّدهم نتيجة التجييش العنصري الذي مارسته بعض القوى التي لم تقتنع بعد، ولا تحاول أن تقتنع بناء على حساباتها الخاصة بها، بأن سوريا بلد متنوع الانتماءات والتوجهات؛ وكل المكونات السورية القومية والدينية والمذهبية هي شريكة في البلد؛ ومن حقها الحصول على التطمينات التي تحترم خصوصياتها، وتضمن حقوقها ضمن السياق الوطني العام الذي يرتكز على قاعدة وحدة البلد والشعب.
كان لذلك المشهد وقعاً غير مسبوق في الوجدان الكردي في سائر أنحاء كردستان. تضامن امتد ليشمل سائر العواصم والمدن الأساسية في أوروبا والولايات المتحدة؛ فخرجت المظاهرات الضخمة تطالب المجتمع الدولي بالوقوف إلى جانب الكرد السوريين، وحمايتهم من مجازر محتملة خاصة، بعد الأحداث المؤسفة التي كانت في الساحل السوري ومنطقة السويداء في الجنوب السوري، وبعد أن تبين بوضوح وجود رغبة أمريكية في التخلي عن قسد ودورها في محاربة الإرهاب؛ وهو دور له اشكالياته وتشعباته وخلفياته التي يستوجب التفصيل فيها الكثير من الوقت والجهد والمجال.
ومن الضروري هنا أن نتوقف باحترام وتقدير عميقين للدور الكبير المعهود الذي قام به الرئيس مسعود بارزاني لانقاذ الوضع، والدفع نحو توافقات إقليمية دولية شكلت أرضية لاتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026 بين الحكومة السورية وقسد حول موضوع دمج هذه الأخيرة ضمن مؤسسات الدولة السورية، وكذلك دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” التي كان حزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني قد أعلن عنها من جانب واحد عام 2014، لتكون سلطة الأمر الواقع نتيجة الظروف المعقدة التي كانت تعيشها سوريا في ذلك الحين.
فقد تمكن الرئيس بارزاني بحكمته وبعد نظره من إدارة الخسارة التي منيت بها قسد بعد معارك الأشرفية والشيخ مقصود في حلب (كانون الثاني/يناير 2026)، والانهيار السريع لقواتها في محافظتي الرقة ودير الزور، وظهور بوادر مقلقة تنذر بصراع عربي كردي كان من شانه في ما لو حدث ، لا سمح الله، التسبّب في الكوارث ليس في سوريا وحدها وإنما في العراق أيضا، وربما أمتدت تأثيراتها إلى تركيا كذلك.
ولم يكن هذا التوجه بالجديد الطارىء في مسيرة الرئيس بارزاني، وإنما هو امتداد طبيعي معهود لنهج حريص على مصلحة الكرد في كل مكان بعيداً عن التخندقات الحزبية، نهج يؤكد دائما ضرورة المحافظة على علاقات حسن الجوار مع سائر شعوب ودول المنطقة ومكوناتها المجتمعية.
وفي السياق ذاته، لا بد أن نشيد بمساعي الرئيس بارزاني المتواصلة في ميدان الحفاظ على وحدة الموقف الكردي في سوريا، وذلك من خلال محاولات توحيد المواقف بين الأحزاب الكردية السورية ضمن اطار المجلس الوطني الكردي وخارجه، والقوى الأخرى المنضوية تحت لواء حزب العمال الكردستاني بواجهاته المختلفة، هذا رغم معرفته، ومعرفة الجميع بصعوبة، إن لم نقل تعذر مثل هذه المهمة. وذلك لإصرار حزب العمال الكردستاني على التفرّد والهيمنة والتحكّم بناء على أجنداته وتحالفاته الإقليمية؛ وهي تحالفات لا تتقاطع في معظم الأحيان مع مصلحة الكرد. هذه حقيقة علينا ان نعترف بها حتى لا تأخذنا العاطفة بعيدا عن جادة الصواب.
فأثناء المظاهرات الكبرى التي شهدتها العواصم والمدن الكبرى في أوروبا تضامنا مع كرد سوريا، وشارك فيها الكرد من سائر أجزاء، ومن وجميع الاتجاهات والتوجهات والأعمار بحماس منقطع النظر، وجدنا توجهاً استفراديا، أثار استهجان الكرد خاصة الشباب منهم، لدى واجهات حزب العمال نحو الخروج بمظاهرات خاصة بها، تُرفع فيها شعارت وأعلام وصور حزب العمال وزعيمه عبدالله أوجلان؛ هذا رغم دعوة الأخير إلى حلّ الحزب والقاء السلاح، والقرار النظري الذي اتخذه الحزب المذكور في مؤتمره الأخير بحلّ نفسه رسميا وليس عملياً كما يبدو حتى الآن.
واستمر هذا الحزب في نهجه هذا خلال احتفالات نورز هذا العام، رغم الظروف والتحديات الكبرى التي تحيط بالكرد في كل الأماكن ومن جميع الاتجاهات، وهي تحديّات تتطلب المزيد من التكاتف والعمل المشترك بغية تجاوز المرحلة الصعبة التي تمر بها المنطقة في أجواء الحرب الأمريكية الاسرائيلية الإيرانية، بأقل الخسار، وأفضل النتائج الممكنة لصالح الكرد واستقرار المنطقة ومستقبل شعوبها.
وهذا ما دعا إليه الرئيس بارزاني في كلمته المعبرة التي خاطب بها الحشد الهائل (نحو 150 ألف غالبيتهم من الشباب) من المحتفلين بنوروز في بون.
أما بخصوص وضع الكرد في سوريا، وهو موضوع الساعة في وقتنا الحالي، فهناك إشارت ايجابية يُستشف منها وجود رؤية استعيابية لدى الإدارة السورية الجديدة، ولدى الرئيس الشرع تحديداً بخصوص الموضوع الكردي من جهة الإقرار بعدالة القضية الكردية، وضرورة رفع الظلم المتراكم عبر العقود عن كاهل الكرد؛ والإقرار بحقوقهم القومية المشروعية ضمن اطار وحدة الوطن والشعب. وهذا ما تجسّد في المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي يمثل خطوة جرئية غيرمسبوقة، ويشكل ارضية واعدة للتوافق بشأن حل شامل عادل للموضوع الكردي السوري؛ حل يثبّته عليه الدستور السوري المنتظر، ويُنفّذ عبر خطوات واجراءات واقعية على الأرض. خطوات تعزز الثقة، وتفتح الآفاق أمام العمل الوطني المشترك بين سائر المكوّنات المجتمعية السورية، ولصالح جميع السوريين من دون أي استثناء أو تمييز.
وضمن هذا الأطار هناك ارتياح سوري عام يشمل العرب والكرد وسائر المكونات السورية بخصوص السير في عملية تطبيق اتفاق 29 يناير بين الحكومة وقسد بخصوص الاندماج، ولكن الملاحظ هو وجود عدم توافق بين أجنحة حزب العمال الكردستاني (وهو الذي ما زال يهيمن على قسد) بخصوص الاتفاق المعني؛ وهناك محاولات كثيرة لعرقلة هذا الاتفاق وسدّ الطرقات أمامه. ولعل مظاهر الفوضى واطلاق الرصاص بصورة عشوائية التي رافقت احتفالات تشكيلات حزب العمال الكردستاني بأسمائها المختلفة بعيد نوروز خاصة في ميدنة قامشلي، تؤكد بوضوح وجود امتعاض لدى بعض أجنحة الحزب المذكور مما يجري. ويُشار هنا إلى حادثة انزال علم الثورة والدولة السورية المقدس لدى سائر السوريين الذين ثاروا على سلطة آل الأسد في احتفال نوروز كوباني أمام مرأى ومسمع، بل وربما بتشجيع، كوادر الحزب المعني ووسط راياته ورموزه؛ لعل تلك الحادثة تشير إلى أمر يستوجب التمعن والاستعداد في هذا المجال؛ خاصة أن الحادثة المعنية أدت إلى اعتداءات عنصرية على المدنيين المسالمين الكرد من أبناء منطقة عفرين في حلب، وعلى العلم الكردي القومي الذي لا يخص حزبا بعينه، بل هو علم مقدس يجمع بين الكرد في كل مكان من دون أي تعصب لهذه الجهة و تلك ، أو اي تحامل على هذه الجهة أو تلك. أما لماذا حدث ما حدث هنا وهناك؛ فهناك تكهنات كثيرة تتقاطع حول وجود رغبة خارجية في تفجير العلاقات بين العرب والكرد في سوريا، وذلك انسجاماً مع الحسابات المعتمدة في ظل الصراع الطاحن الجاري حاليا بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة والنظام الإيراني واذرعه وتوابعه في المنطقة.
ويبقى التساؤل الذي يشخص دهشة واستهجان الكرد، الحريصين على سلامة ومستقبل شعبهم، خاصة الشباب منهم: لماذا يصرّ حزب العمال على السير دائماً عكس اتجاه عامة الكرد؟
ولكن هذا الاستغراب سرعان ما يتبدّد حينما يعود المرء إلى التجارب السابقة مع هذا الحزب، وهي التجارب التي تبيّن، كما بيّنت باستمرار، أنه لا يقترب من الكرد إلا بهدف استغلال عدالة قضيتهم، والاستفادة من دعمهم للخروج من مآزق مغامراته.