سدير الراوي
يقف العراق اليوم أمام واحدة من أخطر التحديات في تاريخه الحديث، مع تصاعد المخاوف بشأن حركة تصدير النفط عبر مضيق هرمز، الشريان البحري الذي تتدفق عبره ثروته الأساسية. بلدٌ كان يُعرف يوماً بسلة غذاء المنطقة، تحوّل بفعل السياسات والظروف إلى اقتصاد ريعي يعتمد على النفط بوصفه المورد شبه الوحيد لتمويل الدولة. ومع كل تهديد يطال هذا الممر الحيوي، تتكشف هشاشة الاعتماد على مصدر واحد، وتتعاظم المخاطر على الاستقرار المالي والمعيشي للمواطنين.
إن أي عرقلة لحركة السفن العراقية لا تعني مجرد أزمة تصدير، بل تعني ضغطاً مباشراً على الموازنة العامة، وتأخيراً في الرواتب، وتعطيلاً للمشاريع، واهتزازاً في ثقة الأسواق. فالعراق لا يحتمل أن يبقى رهينة توترات إقليمية تتجاوز إرادته، ولا أن يُزجّ في صراعات لا تخدم مصالحه الوطنية.
وفي قلب المشهد تقف العلاقة مع إيران، بما تحمله من تعقيد وتشابك تاريخي وجغرافي وسياسي. فمنذ عام 2003، انتهج العراق سياسة انفتاح وتعاون، وشهدت العلاقات مستويات متعددة من التنسيق والتبادل، فضلاً عن حركة زيارات دينية واسعة. إلا أن منطق الدولة يفرض أن تكون المصالح الوطنية فوق كل اعتبار، وأن يُقاس أي موقف بميزان السيادة أولاً.
الدعوات إلى إعادة تقييم شاملة للعلاقات الإقليمية لم تعد مجرد أصوات متفرقة، بل تحوّلت إلى مطلب شعبي يتساءل: إلى متى يبقى القرار الاقتصادي مرهوناً بالظروف المحيطة؟ وأين البدائل الاستراتيجية التي تضمن عدم خنق العراق عند كل أزمة؟
إن استعادة زمام المبادرة تبدأ بخطوات واضحة: تنويع مصادر الدخل، إعادة إحياء الزراعة والصناعة، تطوير منافذ تصدير بديلة، وبناء سياسة خارجية متوازنة لا تنحاز إلا لمصلحة العراق. فالسيادة لا تُجزّأ، والاستقلال لا يُؤجل، والبلد الذي يمتلك هذا التاريخ وهذه الموارد قادر على أن يفرض حضوره إذا ما توفرت الإرادة الوطنية الصلبة.
إنها لحظة مفصلية، إما أن يتحول التحدي إلى نقطة انطلاق نحو عراق قوي مستقل القرار، أو يبقى أسير الأزمات المتكررة. والرهان اليوم ليس على النفط وحده، بل على قدرة الدولة على حماية ثروتها وقرارها ومستقبل شعبها.