عرفان الداوودي
المشهد العراقي اليوم لم يعد غامضاً كما كان يُصوَّر، بل أصبح واضحاً حدَّ الألم. بلدٌ يمتلك تاريخاً عريقاً وثروات هائلة، يُدفع اليوم دفعاً نحو حالة من التآكل الداخلي والتوريط الخارجي، حتى بات المواطن يتساءل: أين الدولة؟ ومن يحكم فعلاً؟
لم تعد الجماعات المسلحة والفصائل المنفلتة تكتفي بإطلاق الرسائل النارية باسم العراق، بل تجاوزت ذلك لتجعل من أرضه وسمائه ومؤسساته منصات مفتوحة لصراعات لا ناقة للعراقيين فيها ولا جمل. صواريخ وطائرات مسيّرة تنطلق أو تُمرّر، وقرارات تُتخذ خارج الحدود، وكأن السيادة تحولت إلى عنوان بلا مضمون، والدولة إلى ساحة خلفية لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
الأخطر من هذا التوريط الخارجي، هو ما يشبه الانتحار الذاتي للدولة من الداخل. حين تُستهدف بغداد، عاصمة العراق، ويُهدد مطارها الدولي، وتُرعب البعثات الدبلوماسية والقنصليات، وتُقصف مواقع حساسة، فإن الرسالة لم تعد مجرد خرق أمني، بل إعلان صريح عن هشاشة الدولة. وحين تمتد هذه التهديدات إلى أربيل، عاصمة إقليم كوردستان، لتطال مطارها ومنشآتها النفطية والغازية ومرافقها الحيوية، فإن الخطر يتحول إلى تهديد شامل لكيان الدولة بكل مكوناته.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يبرز جانب لا يقل خطورة، وهو التعامل الحكومي مع إقليم كوردستان. فبدلاً من تعزيز الشراكة الوطنية ودعم الاستقرار، يُمارس ضغط اقتصادي وتجاري خانق، يهدف إلى إيقاف عجلة النمو والتطور في الإقليم. سياسات تضييق من جهة، وإجراءات معرقلة من جهة أخرى، وكأن المطلوب ليس تقوية العراق، بل إضعاف أحد أجزائه الحيوية.
ورغم هذا الحصار المزدوج—الأمني والاقتصادي—أظهرت قيادة إقليم كوردستان قدراً عالياً من الحكمة وضبط النفس، فلم تنجر إلى منطق التصعيد أو ردود الفعل، بل تمسكت بخيار التهدئة والحوار، إدراكاً منها أن أي انزلاق نحو المواجهة سيقود الجميع إلى المجهول.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل اختبار حقيقي لوجود الدولة العراقية. فإما أن تستعيد الدولة قرارها وسيادتها وتفرض القانون على الجميع دون استثناء، أو تستمر حالة الانفلات التي قد تقود إلى ما لا تُحمد عقباه.
العراق لا ينقصه شيء… لا ثروات ولا عقول ولا تاريخ، لكنه ينقصه قرار وطني مستقل، وإرادة حقيقية تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار. فإما أن يكون العراق دولة تُحترم، أو يبقى ساحة تُستباح.
والأمل، رغم كل شيء، لا يزال قائماً… لكنه يحتاج إلى شجاعة في القرار، وصدق في النوايا، قبل أن يضيع ما تبقى .