سمير ميراني
حين يُسلَّم القرار لظلٍّ بعيد، لا يكون أول ما يفقد هو الرأي، بل الوطن نفسه، لا ينهار دفعةً واحدة، بل يتآكل بصمت، قطعةً بعد أخرى، حتى يغدو حاضراً في الاسم، غائباً في الفعل.
الولاء الذي لا ينبع من الأرض، لا يمر بلا ثمن، كل تصرف يُبنى على هذا الولاء، وكل قرارٍ يتخذ تحت ظله، ليس أثراً عابراً، وإنما ثمنٌ يدفع من جسد الوطن نفسه.
الأفعال التي تُبنى على هذا الخلل لا تبقى في حدود أصحابها، بل تمتد لتصيب شركاء الوطن جميعاً، الضرر لا يفرق بين مكونٍ وآخر، لكنه يكشف بوضوح من اختار أن يكون جزءاً من الخلل، ومن بقي متمسكاً بأصل الانتماء.
وحين تتحول هذه الأفعال إلى نمط، يفقد الوطن صفته الجامعة، ويغدو ساحةً مفتوحة لتصفية حسابات لا تنتمي إليه، عندها لا يعود الخلاف اختلافاً، بل انقساماً، ولا يعود الشريك شريكاً، بل متضرراً من قرارات لم يكن طرفًا فيها.
الطالب، وهو يلهث خلف وهم القوة، لا يرى ما يتركه خلفه، لا يرى أن الأرض التي يقف عليها تضعف، وأن الثقة التي تجمع الناس تتآكل، وأن الوطن الذي يفترض أن يحتمي به، يدفع ببطء نحو الهشاشة.
وهنا يتجلى الفرق دون حاجة إلى إعلان، بين من يرى الوطن حداً لا يُتجاوز، ومن يراه وسيلة لما هو خارج عنه، الأول يحفظه ولو خالف، والثاني يبدده ولو ادعى الولاء له.
ومع تكرار هذا السلوك، لا يبقى الضرر حدثاً عابراً، بل يتحول إلى بنية قائمة، تعيد إنتاج نفسها، وتثقل كاهل الوطن بجراح لا ترى فوراً ، لكنها تتراكم حتى يصبح إصلاحها أثقل من احتمالها.
وفي النهاية لا يكون الوطن ضحية خصومه بقدر ما يكون ضحية من تخلوا عنه، وهم يظنون أنهم يرتقون بغيره، وحين يكتشف ذلك، لا تعود الخسارة في الأرض وحدها، بل في الثقة، في الشراكة، وفي المعنى نفسه، عندها فقط، يبدأ الوطن بدفع ثمن خيارات لم تبنَ عليه، بل على ماهو خارج عنه.