الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران وتداعياتها الجيوسياسية: العراق وإقليم كوردستان بين تحديات الصراع واستراتيجية التوازن
د. نزار خورشيد عقراوي
دخل الشرق الأوسط في أواخر شباط 2026 مرحلة جديدة من التوتر الاستراتيجي، بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة عسكرية واسعة ضد إيران استهدفت منشآت عسكرية ونووية ومراكز قيادية في طهران ومدن أخرى، فيما عُرف بعملية الغضب الملحمي. وقد مثّلت هذه الضربات تحوّلاً خطيراً في الصراع الإقليمي، إذ انتقلت المواجهة من مستوى الحرب غير المباشرة إلى صدام عسكري مباشر بين أطراف رئيسية في المنطقة.
وفيما ردّت إيران بسلسلة هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة على إسرائيل وقواعد أمريكية في الخليج، توسّع نطاق التوتر ليشمل عدة دول، مع تهديدات متبادلة للبنية التحتية النفطية وتعطّل الملاحة في مضيق هرمز، وهو أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
وفي هذا السياق يمكن تحليل الحرب الراهنة وتداعياتها على ثلاثة مستويات مترابطة: الإقليمي، العراقي، والكردستاني.
الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران: الخلفيات والدلالات
تعود جذور هذه المواجهة إلى تصاعد الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني، وبرنامج الصواريخ الباليستية، إضافة إلى النفوذ الإقليمي الذي تمارسه طهران عبر شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة في عدد من دول الشرق الأوسط. وقد رأت إسرائيل والولايات المتحدة أن هذه العوامل تمثل تهديداً استراتيجياً مباشراً، ما دفعهما إلى تنفيذ ضربات استباقية ضد منشآت عسكرية ونووية إيرانية.
لكن هذه الضربات لم تكن مجرد عملية عسكرية محدودة، بل شكلت بداية مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط. فالمواجهة المباشرة بين هذه القوى الكبرى تحمل معها احتمال اتساع الحرب لتشمل ساحات أخرى مثل لبنان وسوريا والعراق والخليج العربي.
التداعيات الإقليمية: الشرق الأوسط على حافة إعادة التشكيل
أدت الحرب إلى مجموعة من النتائج الخطيرة على المستوى الإقليمي، أبرزها:
1- اتساع رقعة الصراع
إذ قامت إيران بشنّ هجمات صاروخية على إسرائيل وقواعد أمريكية في الخليج، كما دخلت أطراف إقليمية أخرى على خط المواجهة، بما في ذلك فصائل مسلحة مرتبطة بطهران في عدة دول.
2- تهديد أمن الطاقة العالمي
مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، ارتفعت تكاليف التأمين على السفن وتعطلت بعض حركة الملاحة، ما أثّر مباشرة في أسعار النفط والتجارة العالمية.
3- احتمال انهيار التوازنات التقليدية
المنطقة التي قامت لعقود على حروب غير مباشرة قد تدخل الآن مرحلة صراعات مفتوحة، الأمر الذي قد يعيد رسم التحالفات السياسية والعسكرية.
العراق بين ضغوط الجغرافيا السياسية:
يُعد العراق من أكثر الدول تأثراً بهذه الحرب بسبب موقعه الجغرافي وعلاقاته المعقدة مع الأطراف المتصارعة.
فمن جهة، يحتفظ العراق بعلاقات سياسية واقتصادية وثيقة مع إيران، ومن جهة أخرى يستضيف قوات أمريكية ويقيم علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة.
وقد أدت الحرب إلى انتقال بعض التوتر إلى الأراضي العراقية، حيث تعرضت مواقع في العراق لهجمات صاروخية ومسيرات مرتبطة بالفصائل المسلحة، ما يعكس مدى هشاشة التوازن الأمني في البلاد.
لذلك يسعى العراق إلى اتباع سياسة النأي بالنفس ومحاولة منع تحوّل أراضيه إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية.
إقليم كوردستان العراق: التحديات والفرص:
يقع إقليم كوردستان في قلب هذه المعادلة المعقدة. فالإقليم يتمتع بعلاقات سياسية واقتصادية مع الولايات المتحدة والغرب، وفي الوقت ذاته يرتبط بعلاقات جغرافية وتجارية مع إيران وتركيا.
وتفرض هذه المعادلة الدقيقة على القيادة الكردية اعتماد سياسة متوازنة تقوم على الحياد الإيجابي وتجنب الانخراط في الصراع.
وقد أكدت القيادة الكردستانية مراراً أن أراضي الإقليم لن تكون منطلقاً لأي تهديد ضد الدول المجاورة، في محاولة للحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع انتقال الحرب إلى حدوده.
إن نجاح الإقليم في الحفاظ على هذا التوازن يشكل أحد أهم عوامل الاستقرار في شمال العراق، خصوصاً في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية في المنطقة.
الدور التاريخي للحزب الديمقراطي الكردستاني:
لا يمكن فهم السياسة الكردية الراهنة دون العودة إلى الدور التاريخي للحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي)، الذي كان منذ تأسيسه أحد أبرز الفاعلين في صياغة المشروع السياسي الكردي في العراق.
لقد استطاع الحزب عبر عقود من النضال السياسي والعسكري أن يحافظ على معادلة دقيقة بين الواقعية السياسية والدفاع عن الحقوق القومية.
وفي هذا السياق برزت شخصية الزعيم الكردي مسعود بارزاني بوصفها أحد أهم رموز القيادة الكردية المعاصرة، إذ لعب دوراً محورياً في تثبيت الكيان السياسي للإقليم، وفي بناء شبكة علاقات إقليمية ودولية ساعدت على حماية مصالحه.
مسعود بارزاني وسياسة التوازن:
اتسمت سياسة مسعود بارزاني خلال السنوات الماضية بقدر كبير من البراغماتية السياسية، إذ سعى إلى إقامة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استقلال القرار الكردستاني.
وقد تجلت هذه السياسة في عدة مواقف تاريخية، منها:
1- رفض تحويل الإقليم إلى ساحة صراع إقليمي
2- الحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والدول الغربية
3- الانفتاح على دول الجوار مع تجنب الانخراط في محاور الصراع
وقد ساهمت هذه المقاربة في ترسيخ صورة الإقليم كمنطقة مستقرة نسبياً مقارنة ببقية مناطق العراق.
الحياد الكردستاني كخيار استراتيجي
في ظل الحرب الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يبدو أن خيار الحياد الذي تنتهجه القيادة الكردستانية ليس مجرد موقف سياسي مؤقت، بل هو استراتيجية طويلة الأمد لحماية الإقليم.
فالإقليم يدرك أن الانحياز الكامل لأي محور إقليمي قد يعرّضه لمخاطر أمنية وسياسية واقتصادية جسيمة، لذلك يسعى إلى لعب دور جسر تواصل بين الأطراف المختلفة بدلاً من أن يكون ساحة مواجهة بينها.
إن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل هي حدث مفصلي قد يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط. وفي خضم هذه التحولات الكبرى، يقف العراق وإقليم كوردستان أمام تحديات معقدة تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة السياسية.
وفي هذا السياق يظهر الدور التاريخي للحزب الديمقراطي الكردستاني، وقيادته ممثلة بالرئيس مسعود بارزاني، بوصفه عاملاً مهماً في الحفاظ على استقرار الإقليم وصيانة مصالحه عبر سياسة التوازن والحياد، وهي سياسة قد تشكل أحد أهم عناصر الاستقرار في منطقة تعصف بها الصراعات.