العراق ضاع… أم ضيّعوه؟

عرفان الداوودي

لم يعد السؤال في العراق: ماذا يحدث؟
بل أصبح: إلى متى يستمر هذا الذي يحدث دون حساب؟

العراق، هذا البلد الذي كان يوماً منارة للحضارات، يقف اليوم مثقلاً بالجراح، تتقاذفه الأزمات من كل اتجاه، وكأن مصيره تُرك بين أيدي من لا يرون فيه سوى غنيمة، لا وطناً.

بين ما سُمّي بـ”الطرف الثالث” الذي لم يُعرف له وجه ولا اسم، لكنه كان حاضراً في ساحات التظاهر، يقتل ويجرح آلاف الشباب، وبين الميليشيات الوقحة التي لا تخجل من الخطف والتهديد، وبين الفصائل المنفلتة التي جعلت من الصواريخ والطائرات المسيّرة لغةً يومية، تُقصف بها المدن، من إقليم كوردستان إلى مطار بغداد وحتى قلب العاصمة… يقف المواطن العراقي حائراً: من يحكم هذا البلد؟

أي دولة هذه التي لا تستطيع حماية أبنائها؟
وأي هيبة بقيت، عندما تصبح السماء مفتوحة للنيران، والأرض مسرحاً للفوضى؟

اليوم يظهر لنا مصطلح جديد: “الجبناء اعتدوا على المخابرات العراقية”.
تصريح يتكرر، واستنكار يُعاد، وتحقيقات تُفتح… لكن السؤال الذي يعرفه كل عراقي: أين نتائج التحقيقات؟
كم لجنة شُكّلت؟ وكم تقرير كُتب؟ وكم ملف أُغلق دون أن يُحاسب أحد؟

هل سمعنا يوماً بنتيجة واضحة؟
هل عُرف القاتل؟
هل عوقب المجرم؟
أم أن كل شيء يُدفن كما دُفنت قبله الحقيقة؟

المشكلة لم تعد حادثة هنا أو قصف هناك، بل أصبحت نهجاً كاملاً من الإفلات من العقاب.
نهجٌ يقول للجاني: افعل ما تشاء، فلن يطالك القانون.
ويقول للمواطن: اصمت، فليس لك إلا الصبر.

العراق اليوم ليس فقط ضحية السلاح المنفلت، بل ضحية الكذب المنظم، والوعود التي تُطلق مع كل أزمة ثم تتبخر، وكأنها لم تكن.
نفس الوجوه، نفس الخطابات، نفس الشعارات… لكن الواقع يزداد سوءاً.

ومع ذلك…
العراق لم يَضِع كأرض، بل كاد أن يُضَيَّع كدولة.
لأن الأوطان لا تموت، ولكنها تُستنزف عندما يغيب العدل، ويُهزم القانون، ويُترك الشعب وحيداً في مواجهة الخوف.

سيبقى العراق واقفاً بأهله، بكرامة ناسه البسطاء، بأمهات الشهداء، وبشبابٍ لم يفقد الأمل رغم كل شيء.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:

العراق لن ينهض بالبيانات…
ولا باللجان…
ولا بالو
العراق ينهض فقط عندما يصبح القاتل معروفاً… ويُحاسب .

قد يعجبك ايضا