البارزاني الخالد… رمز التعايش في كوردستان

ويسي سعيد ويسي

يُعدّ ملا مصطفى بارزاني قائداً قاد أكثر من نصف قرن من حركة التحرر لشعب كوردستان. ففي مرحلة تاريخية مفصلية، انخرط في النضال ضد محتلي كوردستان، وكرّس حياته للدفاع عن الحقوق القومية لشعبه، تاركاً إرثاً كبيراً يبعث على الفخر في مختلف الميادين. وإلى جانب نضاله الوطني، جسّد بارزاني الخالد بُعداً إنسانياً وسلمياً عميقاً، إذ عمل على جمع وحماية المكونات الدينية والقومية والمذهبية دون تمييز، إيماناً منه بقبول الآخر وترسيخ التعايش السلمي، لبناء مجتمع تُصان فيه كرامة الإنسان وتُحترم إنسانيته.

إن مسيرة بارزاني الخالد الحافلة تؤكد أن التعايش والتسامح وقبول الآخر كانت مبادئ راسخة في نهج بارزان. وتعود جذور هذا النهج إلى الشهيد الشيخ عبد السلام بارزاني، الذي كان له دور بارز في الدفاع عن حقوق مختلف المكونات. وإذا ما اتخذنا بارزان مثالاً، نجد أنها شكّلت نموذجاً فريداً للتآخي، حيث تعايش فيها أتباع ديانات متعددة في مساواة تامة في الحقوق والواجبات، دون شعور بالتمييز أو الاختلاف.

وبعد استشهاد الشيخ عبد السلام، واصل الشيخ أحمد بارزاني السير على النهج ذاته، فحوّل تلك المبادئ إلى ممارسة يومية أصبحت جزءاً أصيلاً من ثقافة مجتمع بارزان، مدافعاً عن حقوق جميع المكونات، ومقدّماً تضحيات جساماً في سبيل ذلك.

وقد انعكست هذه المبادئ الفكرية والإنسانية بصورة مباشرة على رؤية بارزاني الخالد، فالتزم بها قولاً وعملاً. ومن الشواهد على ذلك ما يُروى عن رسالة بعث بها القائد الأرمني أندرانيك أوزانيان إلى الشيخ أحمد بارزاني، مستنجداً به بسبب ما كان يتعرض له الأرمن من ظلم، فلبّى بارزاني النداء، وتوجّه مع عدد من البيشمركة للدفاع عنهم، في موقف جسّد عمق التزامه الإنساني.

ويروي الرئيس مسعود بارزاني حادثة مؤثرة تعكس أثر تلك المواقف؛ إذ أثناء وجود بارزاني الخالد في الولايات المتحدة للعلاج، تعرّف عليه رجل وامرأة من أصول أرمنية في أحد المتاجر، وأكدا أنهما من أحفاد أندرانيك، وأن جدّهما كان يحدّثهم عن شهامته ومواقفه في الدفاع عن الأرمن، فجاءا ليعبّرا له عن امتنانهما العميق.

ومع اندلاع ثورة أيلول، تجسّد مفهوم التعايش عملياً؛ إذ جمع بارزاني الخالد تحت راية واحدة وقيادة واحدة مختلف القوميات والأديان والمذاهب، ودافع عن حقوقهم دون استثناء. فلم يعد التعايش مجرد شعار، بل أصبح واقعاً نضالياً، حيث وقف المسلم والمسيحي والإيزيدي في خندق واحد دفاعاً عن حرية كوردستان، وامتزجت دماؤهم في سبيل قضية مشتركة.

كما تجلّت رؤيته في مرحلة لاحقة من خلال تثبيت حقوق المكونات ضمن اتفاقية 11 آذار 1970. ورغم أن القوانين آنذاك لم تكن تسمح لغير المسلم بتولي منصب قائمقام، فإن إصراره أسهم في تعيين الراحل فرنسو حريري أول قائمقام لقضاء جومان، في خطوة عكست إيمانه العملي بالمساواة. كما لم يفرّق في دعم بناء دور العبادة بين دين وآخر، بل كان عوناً للجميع.

وقد ترك بارزاني الخالد لكوردستان نهجاً راسخاً يقوم على احترام الإنسان وترسيخ ثقافة التعايش. ويواصل مسعود بارزاني هذا النهج، مؤكداً أن احترام التعدد الديني والقومي يشكّل استراتيجية عمل ثابتة، وضامناً لحقوق جميع المكونات، مع التشديد على أداء الواجبات بحرية وصون الحقوق دون انتقاص.

وهكذا، وفي ظل هذه الرؤية، أصبحت كوردستان نموذجاً للتعايش السلمي بين مختلف الأديان والقوميات والطوائف، مما أضفى عليها بعداً حضارياً وإنسانياً عزّز استقرارها واستمرار الحياة المشتركة بين مكوناتها.

وبذلك، بقي اسم بارزاني الخالد حياً في وجدان كوردستان بكل أطيافها، باعتباره رمزاً للتسامح والتآخي، وهي ثروة معنوية خالدة لا تنضب.

وفي ذكرى رحيله، نبعث بالسلام والتحية إلى روحه الطاهرة، وإلى أرواح جميع شهداء طريق حرية الكورد وكوردستان.

قد يعجبك ايضا