هل يمكن أن يتبلور كيان كوردي مستقر في شمال شرق سوريا؟

سالي علي

التحولات السياسية الكبرى لا تبدأ بالاعتراف الدولي، بل بظهور واقع ميداني يصعب تجاوزه. هذا ما حدث في تجارب متعددة حول العالم، حيث سبقت الإدارة الفعلية والقدرة الأمنية أي شرعية قانونية لاحقة.

في شمال وشرق سوريا، تشكّل خلال سنوات الحرب نموذج حكم مختلف عن بقية الجغرافيا السورية، نموذج لم يعد من السهل تفكيكه لأنه ارتبط بعوامل أمنية ودولية معقدة تتجاوز الإطار المحلي.

من تجربة طارئة إلى بنية شبه مستقرة

خلال أكثر من عقد، تطورت المنطقة عبر عناصر تمنحها خصائص الكيانات المستقرة نسبيًا:
•قوة عسكرية منظمة لعبت دورًا محوريًا في هزيمة داعش.
•هياكل إدارة مدنية محلية.
•شبكات علاقات دولية غير رسمية.
•إدارة موارد اقتصادية.
•مستوى أمني أفضل نسبيًا من محيطها الإقليمي.

في العلوم السياسية، هذا يُعرف بمرحلة “ترسّخ الأمر الواقع”.

لماذا قد يقبل المجتمع الدولي بهذا النموذج؟

الدول الكبرى تبحث عن الاستقرار الوظيفي لا الحلول المثالية.

وجود منطقة مستقرة نسبيًا قد يخدم عدة أهداف دولية:
•منع عودة التنظيمات المتطرفة.
•تقليل الحاجة للتدخل العسكري الخارجي.
•خلق توازن نفوذ بين القوى الإقليمية.
•حماية خطوط الطاقة والاقتصاد المحلي.

من هذا المنظور، يصبح الحكم الذاتي خيارًا عمليًا حتى دون اعتراف قانوني رسمي.

العائق الجيوسياسي الأكبر

المشكلة الأساسية ليست داخل سوريا، بل حولها:
•تركيا تعارض أي كيان كوردي منظم قرب حدودها.
•دمشق ترفض الفيدرالية الواسعة.
•إيران تخشى انتقال النموذج داخليًا.
•روسيا تفضل مركزية الدولة.

لذلك، أي تطور سياسي سيكون تدريجيًا وتفاوضيًا، وليس إعلانًا مفاجئًا.

السيناريو الأكثر واقعية

المسار الأقرب وفق المعطيات الحالية:

حكم ذاتي موسّع ضمن الدولة السورية مع ترتيبات أمنية وضمانات دولية غير معلنة.

أي نموذج يجمع بين:
•إدارة محلية قوية
•اعتراف دولي عملي
•سيادة رمزية للدولة المركزية

وهو نموذج شهدته تجارب دولية عديدة.

العامل المفصلي: البيئة الداخلية

نجاح أي كيان سياسي لا يعتمد فقط على الدعم الخارجي، بل على:
•وحدة الموقف السياسي الكوردي
•العلاقة مع المكونات العربية
•كفاءة المؤسسات المدنية
•الاستقرار الاقتصادي
•الشرعية الشعبية

هذه العناصر هي التي تحوّل الكيانات المؤقتة إلى كيانات طويلة الأمد.

الخلاصة الاستراتيجية

تحول شمال وشرق سوريا إلى نموذج إقليم سياسي مستقر ليس احتمالًا بعيدًا، لكنه مسار طويل ومعقد.

المنطقة تقف أمام احتمالين تاريخيين:
•ترسيخ نموذج حكم ذاتي مستدام
•أو إعادة دمجها ضمن مركزية أضعف

لكن القاعدة السياسية الثابتة تبقى:

الاعتراف الدولي لا يصنع الواقع…
بل يأتي بعد أن يصبح الواقع أقوى من تجاهله.

قد يعجبك ايضا