العراق.. دولة تتحكم بمصيرها أسعار النفط

د. محمد صديق خوشناو

ليس من المنطقي أن يعاني بلد يمتلك واحدة من أكبر الثروات النفطية في العالم من أزمات مالية متكررة. ما يعيشه العراق اليوم ليس أزمة موارد، بل أزمة إدارة وإرادة ورؤية. فالمشكلة لم تكن يوماً في النفط، بل في الدولة التي لم تنجح في تحويله إلى أساس لاقتصاد حقيقي.

منذ سنوات طويلة، يتكرر المشهد ذاته: ترتفع أسعار النفط فتُرحَّل الأزمات، وتنخفض فتظهر الهشاشة دفعة واحدة. موازنة دولة بكاملها تتحرك صعوداً وهبوطاً مع سعر البرميل، وكأن الاقتصاد الوطني بلا ركائز أخرى يستند إليها. هكذا تحولت الثروة إلى مصدر قلق دائم بدلاً من أن تكون ضمانة للاستقرار.

الدول التي امتلكت النفط تعاملت معه كفرصة تاريخية مؤقتة، فاستثمرته لبناء الصناعة وتنويع مصادر الدخل وتعزيز الإنتاج المحلي. أما في العراق، فقد أصبح النفط بديلاً عن التخطيط، وأداة لتمويل الاستهلاك بدلاً من صناعة المستقبل. تراجعت الزراعة، وضعفت الصناعة، واتسعت دائرة الاستيراد حتى بات البلد يستورد ما كان ينتجه بسهولة قبل عقود.

الأخطر أن الاعتماد لم يعد اقتصادياً فقط، بل أصبح نمط تفكير عام؛ إذ جرى تأجيل الإصلاحات الصعبة تحت وهم الوفرة الدائمة. لكن العالم يتغير بسرعة، والتحولات في أسواق الطاقة تعني أن الاعتماد الأحادي لم يعد خياراً آمناً، بل مخاطرة استراتيجية.

العراق لا يفتقر إلى المال ولا إلى الإمكانات البشرية، بل إلى قرار اقتصادي شجاع ينقل الدولة من عقلية الإنفاق إلى عقلية الإنتاج. فالثروة التي لا تتحول إلى تنمية تتحول مع الزمن إلى عبء سياسي واجتماعي.

السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بوضوح ليس كم بلغ سعر النفط، بل ماذا سيبقى للعراق عندما يفقد النفط قدرته على إنقاذ كل أزمة. عندها فقط سنكتشف أن المشكلة لم تكن في الموارد، بل في الطريقة التي أدرنا بها أعظم فرصة امتلكها هذا البلد.

قد يعجبك ايضا