نبيل خالد مخلف – باحث سياسي
تطورات الوعي في العراق تُلقي بظلالها الثقيلة على مستقبل الكفاءات الوطنية والعقول المنتجة، التي باتت تشعر بالاغتراب داخل بيئتها الخاصة، في ظل غياب رقابات وطنية رصينة تحد من صعود الظواهر الهشة والفقاعات الإعلامية التي تلوث الفضاء العام وتشوه معايير القيمة والمعنى.
ففي الوقت الذي يُفترض أن تتقدم النماذج العلمية والفكرية إلى الواجهة، نشهد موجات متلاحقة من “النجومية السريعة”، التي تبدأ من مشاريع عابرة أو مبادرات بلا أساس معرفي متين، لتتحول بفعل الضجيج الرقمي إلى حالة جماهيرية مؤقتة، من محمد العرب صاحب عملة “حزم”، ثم “حُسحُس”، وصولاً اليوم إلى “أبو جنة”، تتكرر الظاهرة ذاتها؛ صناعة رموز افتراضية تفتقر إلى العمق، لكنها تتصدر المشهد بفعل فراغ معياري ورقابي.
المشكلة لا تكمن في الأفراد بقدر ما تكمن في البيئة التي تسمح بتكريس هذه النماذج بوصفها قدوات عامة، بينما تُدفع الكفاءات الحقيقية إلى الهامش، أو تُجبر على الهجرة بحثاً عن فضاء يقدر المعرفة والإنجاز المؤسسي.
هنا الخطر الحقيقي، الذي يعمق الإحساس بعدم العدالة الرمزية، حيث لا تتكافأ الفرص بين من يبني على أسس علمية ومهنية، ومن يعتلي المشهد عبر موجات عابرة. وعليه، فإن استعادة التوازن يتطلب وجود منظومة رقابية تُعيد الاعتبار لمعايير الكفاءة والإنجاز، وتحصن الفضاء العام من التضليل، وتمنح العقول الوطنية سبباً للبقاء والمساهمة في مشروع وطني، فالمعركة اليوم ليست فقط مع البطالة، بل مع إعادة تشكيل الوعي نفسه؛ أي نموذج نريد أن يتصدر؟ وأي قيمة نختار أن نكرسها للأجيال القادمة؟
صدقاً نحن نفتقر إلى قدواتٍ حقيقية تتصدر المشهد العالمي، وتملك القدرة على التأثير في الداخل والخارج، وتقديم صورة مشرفة تعكس الثراء الفكري والحضاري للثقافة العراقية.