محمد علي محيي الدين
في مدينة الحلة، حيث تتنفس الأرض حكايا التاريخ، ولدت القاصة نبأ حسن مسلم في الثامن من آذار عام 1982، وحملت منذ طفولتها ميلًا فطريًا نحو اللغة والسرد. نشأت في بيئة مشبعة بالحكايات الشعبية والقصص المتوارثة، ما صقل حواسها الأولى لالتقاط ما يختبئ خلف الكلمات من مشاعر ومعانٍ. وبعد اجتيازها المراحل الدراسية، التحقت بكلية التربية بجامعة بابل، لتتخرج من قسم اللغة الإنكليزية عام 2004، وتبدأ مسيرتها العملية كمدرّسة في محافظة بابل، غير أن شغف الحرف ظلّ يرافقها، يلحّ عليها كما يلحّ الحلم على المبدع في لحظة صفاء.
انضمت عام 2011 إلى اتحاد أدباء وكتاب بابل، ولم تكتفِ بعضوية صامتة، بل انتُخبت لرئاسة (نادي السرد) التابع للاتحاد، لتقود حراكًا أدبيًا ينطلق من المدينة ويصل إلى آفاق أرحب، مدفوعة بإيمان عميق بقيمة السرد في تشكيل الوعي الجمعي.
صدر لها: (حرب قيد الإنشاء) – مجموعة قصصية (2018).، (كوزوميل) – مجموعة قصصية (2020). كما نشرت قصصها في عدد من الصحف والمجلات العراقية، منها جريدة الجنائن قبل عام 2003، واستمرت بعد ذلك بنشر نصوصها ومقالاتها في الصحف المحلية والدولية. تجاوزت حدود اللغة حين تُرجمت بعض نصوصها إلى الإنكليزية والإسبانية، وشاركت في مجاميع قصصية داخل العراق وخارجه، لترسم ملامح تجربة عراقية نسوية أصيلة ومغايرة.
شاركت في مهرجانات ومؤتمرات أدبية وثقافية، ونالت شهادات تقديرية وجوائز مرموقة، منها جائزة الأديبة سافرة جميل حافظ، حيث أحرزت المركز الثالث على مستوى العراق في القصة القصيرة عام 2017، بالإضافة إلى جوائز أدبية أخرى نظّمتها صحف ومؤسسات رسمية.

نبأ في عيون النقّاد:
من خلال مجموعتها القصصية (حرب قيد الإنشاء)، عبّرت نبأ عن قدرة سردية لافتة، تمزج بين البساطة والتكثيف، وبين الفكرة المجردة والشخصية النابضة بالحياة. وصف أحد النقاد مجموعتها بأنها عمل سردي يفضي إلى تجربة إنسانية مفعمة بالحركة والتوتر الداخلي، وأن لغتها «مبنية على المتواليات حينًا، وعلى التشظي حينًا آخر»، ما يجعل النص حيًّا لا ينفكّ عن قارئه.
تميّزت المجموعة بالتنوّع في الشكل والمحتوى؛ فقد راوحت قصصها بين التوثيقي والسيكولوجي، وانفتحت أحيانًا على فضاءات الفانتازيا والرمز، في توليفة سردية متقنة. استخدمت نبأ أساليب مختلفة، من المنولوج الداخلي كما في قصة “بعد فوات الأوان”، إلى السخرية الحادة في “رسائل مدريد”، وإلى الرمزية الكثيفة في “الأفعى”. ولم تهمل عنصر الدهشة والصدمة، الذي بلغ ذروته في قصة “سؤال”، حيث الخاتمة تختزل كل الفجائع في ضربة واحدة.
كما أشار النقاد إلى أن أسلوبها السردي يقوم على الجمل القصيرة، التي تمنح نصوصها إيقاعًا سريعًا وتدفقًا ديناميكيًا، يخلق حالة من الانجذاب والتفاعل لدى القارئ. وكانت الشخصيات في قصصها إما فاعلة قائدة أو رمزية مؤثرة، وفي كل الأحوال شكّلت محورًا مركزيًا في بناء الفضاء السردي.
امتازت كذلك باستخدام وصف تعبيري حيّ، لا يقف عند الزينة اللغوية، بل يتغلغل في عمق الحدث والشخصية: (يصاحبه انبعاث عشب يابس كدخان عالق بفم قطار عتيق)، (وهم يزعقون ويتراقصون كديكة المروج البعيدة)، (انتشرن كحبّات دخن في قفص مهجور…).
تلك الصور الشعرية لا تأتي لغاية جمالية فحسب، بل تؤدي دورًا بنيويًا في تقديم الشخصية والحدث والحالة النفسية. وتلك واحدة من المهارات التي أظهرت بها الكاتبة تحكمًا واعيًا بعناصر القصة القصيرة.
خلاصة القول: القاصة نبأ حسن مسلم تمثّل في الأدب العراقي المعاصر صوتًا أنثويًا متمايزًا، لا يكتفي بالحكي بل ينقّب عن الخفيّ خلف الكلمات، ويعيد إنتاج الواقع بلغة مشبعة بالإيحاء والرؤيا. إنها لا تكتب عن الحرب بل تعيد بناءها، لا تروي الحب بل تنقّب عن هشاشته، ولا تستعرض الأنثى بل تستنطقها من عمق التجربة.
سردها قائم على الحفر، لا على التزيين، وعلى المواجهة، لا على التجميل. ومن هذا المنطلق، فإن نبأ حسن مسلم ليست مجرد قاصة تنتمي إلى جيل ما بعد 2003، بل هي حجر زاوية في سرد نسوي عراقي يُعيد التوازن إلى المشهد، ويضع القارئ أمام أسئلة جمالية وفكرية لا يمكن الفكاك منها بسهولة.