هه لكورد صالح علي
تتميز إبداعات الفن على مر العصور بخصائص جمالية كموضوعات للحس والذوق، مثلما تنطوي على حقائق تتعلق بالحياة والأنسان أذ لم يكن الفن في كل عصوره مجرد متعه جمالية وانما كانت له وظيفته في الوجود الحقيقي.
((ولما كان عمر الفن هو عمر الانسان، وتاريخه هو تاريخ البشرية في مختلف حالاتها النفسية، سواء أكانت تراجيدية (مأساوية) أم سعيدة، فقد اصبح الفن هو التعبير القوي عن آمال الانسان واحلامه وعن دوافعه الشعورية واللاشعورية، ومن ثم يكون بالنسبة له مرفأ الراحة والأمان، ووسيلة تحقيق السعادة واللذة)).
حيث تنطوي معطيات الفن التشكيلي عموما لاسيما الرسم منه على قدر كبير من التواصل المعرفي والجمالي، والذي يرتكز بدوره على معالجات صورية تهتم بدراسة بنية الشكل، واعادة فحصها ضمن علاقتها بالمضمون اولا، أو بفاعلية النظم الاشتغالية للسطح التصويري ثانيا.
وقد تتباين طروحات الحداثة في تيارات الرسم الاوربي وذلك بالطرح الجمالي لصورة الشكل عبر مسوغات النسق البنائي للعمل الفني، وايجاد افتراضات فكرية تطال جوهر الشكل من اجل تعيين الاثر الجمالي، عبر تقسيمات السطح التصويري والحفر في مراكزه خطيا ولونيا وملمسيا. وقد طرحت فنون (ما بعد الحداثة). مكونات فكرية وبنائية جديدة طالت (صورة الشكل) وحولتها من طبيعتها الجامدة الى رؤية جوهرية. ترتبط بمفهوم الثقافة الاستهلاكية، وتمتلك في الوقت ذاته نزعة للتعبير عن الاثر الجمالي والنفسي الذي يستنبط من صورة (الشكل).
حيث كانت مشهدية (اللا شكل) كبنية فاعلة في رسوم (التعبيرية التجريدية) تختلف من حال الى اخر. ومن مستوى الى اخر. ومن فنان الى اخر، وهذا الاختلاف في تشكيل صورة (اللاشكل) يتم التعامل معه وفقا لمهيمنات فكرية تفعل من اشتغال القيم الجمالية المحمولة على اللا شكل كصورة، وتمظهر تلك الوحدات التصويرية التي تؤسس كضرورات تتجلى فيها فعل التجاذب البصري القائم مع المتلقي.
جرت محاولات كثيرة لتعريف الجمالية غير ان هذه المحاولات كانت شديدة التباين في ارائها، وذلك كون ظاهرة الجمال نسبية بتغير المكان والزمان. فليس هنالك تعريف لـ (الجمال) شامل لانه مرتبط بإختلاف الاذواق والمكان العقلية للافراد.
فقد أعدّ الفيثاغوريون إن التجانس الرياضي هو بمثابة القانون الموضوعي الذي يحكم الظواهر الجمالية، وان الجمال تحدده النسب والتوافقات الرياضية الصحيحة التي تحكم وتحلل بنية الجميل ومظهره. بينما ربط (سقراط) (470-399ق.م) بين الجميل والغاية التي يحققها، وان هذه الغاية يجب ان تقود الى قيم الخير والحق والقيم الاخلاقية العليا، بعيداً عن اللذات الحسية الزائلة. وعند افلاطون (427- 347ق.م) تنتج اللذة الجمالية من تذوق الجميل الذي يعبر عن عالم المثل الذي لا يطاله النقص أو التغير، وأكد (افلاطون) وجود الجمال في النظام والتناسب الهندسي إذ يقول ((ان الذي اقصده بجمال الاشكال، لا يعني ما يفهمه عامة الناس من الجمال في تصوير الكائنات الحية، بل اقصده الخطوط المستقيمة والدوائر والمسطحات والحجوم المكونة فيها بواسطة المساطر والزوايا، واكد بأن هذه الاشكال ليست جميلة جمالاً نسبياً مثل باقي الاشكال ولكنها جميلة جمالاً مطلقاً وجمالها في ذاتها)). وفي الفلسفة الحديثة يرى عمانويل كانت (1724-1804) أن الجمال هو الجمال الحر: هو تجسيد اصيل للرائع بعيداً عن اي غاية أو منفعة مثل الزخارف والنقوش وفن الارابسك وان الشعور به يكون منزهاً عن الرغبات وهو شعور يعود الى تأمل الشيء تأملاً مجرداً. وان موضوع التأمل ما هو الا الشكل وما يعجبنا دون فهم. اما الجمال المقيد فهو جمال يقوم على الغاية والمنفعة التي تحدد شكله وبالتالي فهو جمال مشروط.
اما برجسون (1859-1941) فيرى ان ادراك الجمال لا يتم الا عن طريق الحدس، فالجمال عنده يتجاوز النظرة العلمية المنهجية، فهو ينبع من القلب لا من العقل، من الالهام والحدس لا من التامل العقلي.
اما كروتشه (1866-1952) يرى الجمال مرتبط بالصورة الداخلية أكثر مما يرتبط بالصورة الخارجية. وان الفن حدس وليس واقعة مادية وان المهم في الصورة هو قيمتها كصورة مثالية خالصة ويرفض كروتشه التفريق بين الشكل والمضمون. فالروح الفنية لا ترى الصورة على حدة، ولا تحبس بالعاطفة على حدة، بل تمزج بينهما في وحدة فنية وهي ما تسمى العمل الفني، فالمضمون اتخذ صورة والصورة امتلأت بالمضمون.
والجمال عند سوزان لانجر (1895-؟) هو امكانية العمل الفني على التعبير، فكلما كان العمل الفني معبراً كلما كان جميلاً. من هنا كان الفن عند (لانجر) صورة معبرة، وبذلك فهو يتمتع بالجمال، وبالتالي فهو شكل معبر.