حسين قاطرجي
أعترف أن الحيرة غلبتني عند الحديث عن هذه الرواية، هل هي استكشاف لماضٍ مشتعل، أم حاضر محفوف بالمخاطر؟! هي، في الحقيقة، كلاهما معاً.
لو فوّضتني جهة ما بإعادة تشكيل التقدير الأدبي في بلادنا (وهذا لن يحصل على أيّ حال) فلا أرى بُدّاً من اختيار مازن عرفة على رأس قائمة الروائيين السوريين المبدعين (أقول هذا الرأي بناء على قراءة رواية واحدة له).
تتناول الرواية أحداث بلدة ما تشبه بلادنا إن لم تكن هي بلادنا فعلاً، يحكمها ديكتاتور غبيّ بالحديد والنار، تماماً كالذي كان يحكمنا، ومن تحته شعب مقموع، لا يلهث إلا وراء رغيف وليلة حالمة.
بطل الرواية كغيره من أبناء البلدة، يلجأ إلى الأخيلة لنسيان واقعه الأليم، ونراه يتشبّث بأحلام المنام واليقظة، باعتبارها مهرباً من معاناته اليومية. ولأن هذه الأحلام نافذة إلى اللاوعي، فإن أمّ الكوارث عندما يرى هذا الرجل المقموع نفسه في المنام ديكتاتوراً ذي جبروت فإن ذلك يحمل بُعداً نفسياً معقداً، إذ لا يمكن قراءته فقط على أنه استجابة طبيعية للضغوط والقهر، الذي يعاني منه في واقعه اليومي، بل يرمز إلى ما يحبّه ويتمنّاه في عقله الباطن، وسنرى مع مرور فصول الرواية طفولة هذا المسكين، وتداعي الانقلابات السياسية والعسكرية، على أهله وذويه من حوله.
إن البيئة القمعية، التي يعيش فيها هذا الرجل، تساهم في صنع الرؤى الديكتاتورية. حين يُحرَم الإنسان من حقه في التعبير، أو التصرّف بشكل حر يولد داخله شعور بالنقص والظلم. هنا، يتجلى دور الأحلام في تعويض هذا الإحساس، حيث يصبح الإنسان في حلمه قائداً مطلق السلطة، مُجسداً القوّة التي حُرم منها في الواقع. لكنه لا يستخدم سلطته في المنام استخداماً عادلاً، فهو يفحش القول والفعل، ويفيض في أفعال كان ديكتاتوره الواقعي يأبى عنها.
إن الأغلال الثقيلة قد شُدّت على معاصم أبناء البلدة وأقدامهم، سلبت منهم أحلامهم الوردية، وأفقدتهم القدرة على رسم عالمٍ طوباويٍ، طالما كانوا يتمنّون حدوثه، إذاً، لم يغتصب الحاكم الجائر واقعهم، بل أجهض قدرتهم على التخيّل الصافي البريء، الذي يرسم الحياة أكثر جمالاً وسلاماً.
في ثلث الرواية الأخير، تندلع الثورة ضدّ الحاكم الظالم، وبدل أن يلمع بصيص الأمل، يتعالى مُؤشِّر الخُذلان، وتترنّح الثورة، وتَهوي بفِعل خناجر الوشاية المغروسة في خاصرتِها. يستعرض لنا الكاتب شخصيات كثيرة، يستحي المرء من أفعالهم، لكنهم للأسف شخصيات واقعية، لمسنا وجودهم بين ظهراني الثورة قبل اندلاعها، وخلاله، وبعده.
كل شخصيات الرواية محورية، ولها دورها ومساحتها الخاصة، لا يمرّ اسم شخصية إلا وتيقّن أن الراوي سيُفرد لها عمّا قليل، فرصة لتُحكى لنا قصّتها وأحلامها.
تتجلى الواقعيّة السحرية في رواية «الغرانيق» بأبهى وأجمل صورها، لا أعتقد أنني قرأت رواية بهذا التصنيف الأدبي أرفع أسلوباً من هذه الرواية. أنصح بها لمن يريد فهم وتعلّم معنى ودلالة (الواقعية السحرية).
يؤخذ على الكاتب الجرعة الإباحية الهائلة في الرواية، رغم توظيفها المنطقي في الرواية، لكنها كانت واضحة، جلية، ترغمني على عدّها رواية موجّهة لمَن هم (+18).
إن هذه الرواية مُلهمة بشكل كبير، وتحفّز أرباب القلم للكتابة والشروع، بتدوين أحلامهم وأفكارهم، واستخدام الكاتب للكوميديا السوداء اللاذعة، بشكل مفرط يجعلها رواية مُحبّبة عصية على أن تُترك. إلى غيرها.
كنت، طيلة الرواية، أنتظر ظهور الطيور البيضاء (الغرانيق)، التي تحمل الرواية اسمها، ولكنها انتهت دون أن يخرج لها أثر، وفهمت ساعتئذٍ أن الراوي يرمز للخلاص الذي يأمله الشعب بالغرانيق، التي توهّم الناس شفاعتها التي تُرتجى؛ وما هي في واقع الحال إلا محض أوهامٍ ما لها أصل ولا أساس. ( هذا ما استشرفته بصفتي قارئ وقد يكون للكاتب منظور آخر، وفي كلا الحالتين فإن العمل الأدبي، بُعيد صدوره يصير ملكاً للقارئ، يفسّره بحسب رؤيته وفهمه).
إن الدكتاتور ينبع من ذواتنا، إنه ليس مجرّد شخص يمتلك القوة، بل هو تجسيد مكثف لأضعف ما فينا وأسوأ ما يكمن في الظلّ. هو حصاد صمتنا المذل، وثمرة خنوعنا المهين، ونتيجة تفويضنا الأعمى لغيرنا. الديكتاتور هو المرآة القاسية، التي تعكس خوفنا من الحرية، ورغبتنا الدفينة في الارتماء تحت عباءة من يقرّر عنا، ليُريحنا من ثقل الاختيار ومشقّة المسؤولية.
إن الديكتاتورية تنبع أولاً من رغبتنا في إلغاء الآخر عند أدنى اختلاف، ومن نزعتنا الداخلية لتسخير من هو أضعف، ومن خوفنا المَرَضي من كسر روتين حياتنا، الذي يدفعنا لتقديس النظام، ولو كان نظام قمع.
إن الحرية غالية الثمن، وإن تحققها منوط بيقيننا بأن الطاغية الأكبر يقبع في دواخلنا؛ في حبّنا المفرط للسلطة، ولو كانت سلطة صغيرة على من هم دوننا، وفي عدم قدرتنا على الحوار مع المخالف، وفي تزلفنا للقوي، وفي قبولنا للفتات على حساب الكرامة، عندما نتيقّن هذه الحقيقة، نبدأ في خلع أردية الاستبداد من على أكتاف المجتمع.
قد يأتي الطاغية على شكل رجل دين، يحكمنا بشريعةٍ يختلقها من نفسه زوراً، زارعاً فينا الأوهام، أو قد يأتي على شكل رجل اقتصاد، يغرّر بنا باسم الرفاهية والازدهار، كلها بالنتيجة أشكال من الطغيان؛ فالطغيان ثقافة، والدكتاتورية مدرسة، وهي تتغذى على تلميذٍ (شعبٍ) مستعدّ لتلقي ضربات العِصي، ويرضى أن يكون خاضعاً اليوم يتعلم فنون الرذيلة، ليصبح طاغيةً غداً. أمّا الأبرياء، الضحايا، الذين تتسامى نفوسهم فوق أصفاد الاضطهاد، فسيبقون في انتظار أن يزاح عنهم غشاء القهر نحو فجر جديد، أو أن تحلّق فوق رؤوسهم غرانيق الحرية، التي يبدو أنها اغتيلت في أعشاشها.