حسن العكيلي
مذ كان طفلا يافعا كان محط اعجاب واحترام اقرانه وجيرانه وممن هم أكبر منه سنا.. ذات مرة قلت لوالده ان احمد سيكون له شأن كبير لدماثة اخلاقه وحسن سيرته وسمعته الطيبة. واكتسابه لكل الصفات التي تمنح ذاته تاج الرفعة والسمو وصفات الرجال الافذاذ.
عشقه كبار السن من شيوخ المحلة كونه شديد التأثر بما تركه الاجداد من عادات وتقاليد وتصرفات حث عليها الدين ودعت اليها القيم الاخلاقية الفطرية.. صحيح ان احمد لم يكمل دراسته بسبب ظروف عائلته لكنه كان كتلة من الاحساس المتوقد والمسؤولية فراح يعمل في السوق تارة ومع والده تارة اخرى حتى تجاوز عمره الثمانية عشر حينذاك قدم اوراقه ليكون مقاتلا في احدى صنوف الجيش
بعد ان أنهى صلاته جلس بالقرب من والده فباغته ابوه بسؤال غير متوقع:
– متى ستتزوج يا ولدي؟
فتبسم بوجه وقال له:
– ان الزواج للرجل كمرض الحصبة للأطفال لابد ان يصابوا به شاؤوا ام أبوا.
فشاءت الصدفة ان يتزوج من ابنة خالته التي جيء بها من احدى قرى محافظة العمارة. صحيح ان زواجهما كان تقليديا جدا ولا توجد علاقة حب بينهما ولكن بمرور الوقت احبها لكونها ابنة خالته والسبب الاخر الذي وطد العلاقة بينهما انها انجبت له ولدا ذكرا اسمياه حسين.
كان احمد يحب ولده حبا كبيرا وتمنى ان يكون له اخ اخر غيره ولكن مرض زوجته حال دون ذلك وبالرغم من مرور أكثر من عشر سنين من الصبر والانتظار ومراجعات الاطباء – لم يتحقق حلمه المنشود الذي صار من المستحيلات.
لم تتأثر علاقته بزوجته فقد كان ايمانه ورضاه بما انعم الله عليه من نعم الحياة. دفعه الى ان يزيد من صلاته ودعواته فبالشكر تدوم النعم.. ذات يوم مختلف عن بقية الايام وجلسة تلبدت اجوائها بغيوم الكأبة والضجر فاجئ زوجته بطلب كان اشبه بلطمة قوية على وجهها ورمح غرز وسط صدرها فمزق قلبها الطيب الناصع البياض. كاد ان يجفف حقول المودة ويصيبها بالشلل التام وينث فوق مرايا العلاقة برذاذ الفتور فتحولت الى غيمة وحيدة تناهشتها الريح العاصفة لتوخزها بدبابيس التشتت والضياع.
كان سؤالا يشبه هزة ارضية احالت بيتها وكيانها الى انقاض كيف لا وقد طلب منها ان يتزوج عليها بامرأة فوافقت على مضض مخافة ان يصيب الخراب جميع اجزاء مملكتها وان تحافظ على ما تبقى من الاشياء الذي خلفه ذلك الزلزال المدمر فجمعت اجزاء روحها المتشظية كزجاج سقط من مكان مرتفع وتحصنت بالصبر والصلاة.
سافر احمد الى احدى البلدان العربية للسياحة ولكنه عاد ومعه زوجته الجديدة. ومن المفارقات ان زوجته الكبيرة كانت من ضمن الحاضرين لاستقبال زوجها وعروسته. وعند وصولهما الى البيت اقامت عائلته مأدبة عشاء فاخرة على شرف العروسين.. وعاش خلالها الاثنين حياة هادئة خالية من المنغصات.
مرت سنة كاملة على زواجه الثاني والحال كما هو عليه فلا تغيير في الافق ولا تبديل في الجهات وهذا يعني بقاء الامور على حالها فاستسلم للأمر الواقع وترك روحه تسبح ضد التيار تتقاذفه الهموم بشراسة يرميه القلق بلا رحمة فوق شواطئ الانكسارات والارق – فعندما ينفرد بنفسه يصبح فريسة للتفكير المفرط ضعيفا خاويا امام صولاته الهمجية فيرضخ طائعا للأعياء والحزن العميق- وعندما يكون مع الاخرين يصغي لما يقولون فيغرق في لجة اللوم من اهله والانتقادات من اصدقاءه. لكنه يبقى صابرا كصخر الجلمود يتحلى بالجلد ويتحمل مشقات مشروعه الذي لم تورق اوراقه وتجنى ثماره بولد يشد ازر اخيه ويكون عونا له في السراء والضراء.
بعد دخولهما السنة الثانية قررا الذهاب الى المستشفى لمعرفة اسباب عدم حمل زوجته وبعد طول انتظار ظهرت النتيجة ان ضعف نسبة الاخصاب لديها ضعيف مما يؤثر على عدم قدرتها على الحمل وتحتاج الى المزيد من الوقت والعلاج الكافي.
بعد ان انتهت اجازته الخاصة بالزواج التحق الى وحدته العسكرية غربي مدينة الانبار. وبينما كانت السيارة تسير استأذن السائق من الركاب تعبئة سيارته بالبنزين وبعد ان اكمل مهمته انطلق بسيارته صوب الشارع العام بكل ثقة .طالبا من الركاب غلق زجاج ابواب السيارة لتشغيل التبريد وبينما كان الجميع منشغلا بهذه المهمة فوجئوا بسيارة مسرعة كأنها الموت كانها البرق الخاطف وهي تنقلب وترتفع الى الاعلى لتعيدها جاذبية الارض الى الاسفل لتصتدم بهم وكأنها حجر تساقط من قمة جبل هدهده زلزال عنيف لا يرحم ليحول المركبة التي يستظلون تحتها الى كومة من الخردة ..
هرع عمال المحطة وعدد من سواق السيارات لنجدتهم لكنهم لم يعثروا على احياء في داخلها.. لقد مات احمد ومات معه حلمه الذي توارى خلف التلال الرملية كعصفور يبحث عن الخلاص. تاركا وراءه زوجتين وولد كان يتمنى ان يكون له اخ وعون ومساعد في هذه الدنيا. ولكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه