علاء الطائي… حين يُصبح الشعر سيرة قلب ومعرفة

محمد علي محيي الدين

في مدينة سدة الهندية، الملقاة على ضفاف الفرات والتابعة لقضاء المسيب في محافظة بابل، وُلد الشاعر علاء خالد هاشم الطائي يوم الثامن والعشرين من آذار عام 1993. ومن بين أزقتها الوادعة وبساتينها العامرة، تشكّل وعيه الأول، وتفتّح عشقه للكلمة والمعرفة، حتى خطت قدماه درب الجامعات، طالبًا للعلم في كلية التربية بجامعة بابل، حيث زرع حلمًا لم يُطفئه الزمن، وسعى نحو معرفة لا تعرف السكون.

بعد نيله شهادة البكالوريوس، التحق بملاك مديرية تربية بابل، وهناك، في الصفوف الدراسية، تماهى دوره التربوي مع رسالته الأدبية. لم يكتفِ بما بلغه، بل واصل طريقه العلمي حتى حصل على شهادة الماجستير من الجامعة نفسها، ليؤكد أن السعي نحو الكمال المعرفي هو ضرب من العبادة في محراب الحياة.

شاعر يجدد من داخل التراث

ينتمي علاء الطائي إلى مدرسة الشعر العمودي، لكنه لا يقف عند تقليد القديم أو اجترار الصور، بل يخوض في عمق هذا الفن بجزالةٍ وسبكٍ عالٍ، منقّبًا في طبقات اللغة والصورة، وساعيًا إلى التجديد من داخل التراث لا من خارجه. هو من أولئك الشعراء الذين لا يغريهم اليسر، بل يختارون المسالك الوعرة، فيكتبون على (البحور الجافة” ويملؤونها بالحياة).

صدر له:

– مسافر بين القوافي –مجموعة شعرية- 2003
– كتاب تصميم برامجي –تربوي- 2024
– شارك في مجموعة شعرية مشتركة صدرت عن مجلس الدكتور علي الطائي عام 2023.
– بحث علمي منشور في مجلة التربية الأساسية – جامعة بابل.
– مجموعة شعرية (رسائل الغيمة الممطرة) 2025.
– حاز على شهادات تقديرية في محافل ثقافية وأدبية متعددة.، وشارك في دورة تخصصية ببغداد حول (قادة فنيات تعديل السلوك).
– عضو في الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق – فرع بابل، مشارك دائم في الندوات والمهرجانات الشعرية.

في ملامح تجربته الشعرية

يرى بعض النقاد أن علاء الطائي لا يكتب القصيدة ليُباهي ببلاغته، بل ليعيش فيها، ويعيش القارئ معه. قصائده تمتح من ينابيع اللغة الفصيحة، وتتزين بجماليات الصورة الكلاسيكية، دون أن تغفل عن نَفَس العصر، وهموم الإنسان اليومية، ورهافة الشعور. وقد كتب أحد النقاد عنه: (علاء الطائي من أولئك الشعراء الذين اختاروا الوقوف على أرض صلبة، فجمع بين السبك العالي وخيط شعوري لا ينقطع، حتى في أكثر البحور جفافًا. إنه شاعر لا يتجمّل بالكلمة، بل يعرّي بها دواخله).

قراءة في قصيدة (أسير الأزقة)

في هذه القصيدة يرسم الشاعر صورة طفلٍ فقيرٍ، يطوف بين الأزقة ببؤس ظاهر، لكنه يقاوم الذل بإباءٍ خفيّ. لا يستجدي الطعام فقط، بل ينتزع الاعتراف بكرامته في عالم جائر. يكتب الطائي هذا المشهد الإنساني بعمق وجداني ونَفَس احتجاجي، بلغة عالية، وصور تتناوب بين الألم والأمل، كقوله:
((لكنه لم يبتئس في بؤسه إن القنوع لا يُضام ويُقتر))

إنها قصيدة وجودية بامتياز، ترصد الصراع بين الإنسان والزمان، بين الجوع والكرامة، وتغرس في القارئ يقينًا بأن الأمل ممكن، وإن طال به الطريق. وهي أشبه بمرآة للحكمة المتأملة في شؤون الكرامة والعطاء والخلود. يحذر الشاعر من أن تُمدّ اليد بالمنة، ويعلّمنا أن الجود لا يُقاس بالعطاء بل بصفاء النية وكرم النفس. تأمل قوله: ((فليسَ جودُكَ محمودًا لمن وُهِبا))

إنها قصيدة فلسفية في ثوب شعري، تمزج بين التجربة الإنسانية والقول الموزون، وتدعو إلى مقاومة الظلم، وثبات النفس، وترويض الزمان، والسير نحو فعلٍ يُخلد صاحبه: ((يَمِّمْ فِعالَكَ كي تَخلُدكَ مُرتَحَبا))
في هذه الأبيات كما في سائر قصائده، نلمس نَفَسَ شاعرٍ مثقف، لا ينفصل شعره عن فكره، ولا وجدانه عن موقفه.

ختاما يمثل علاء الطائي صوتًا شعريًا ينتمي لجيلٍ لا يزال يؤمن بقدرة القصيدة على التغيير، لا بوصفها زخرفًا بل بوصفها رسالة ومسؤولية. يجمع في تجربته بين حسِّ المربي، ونَفَس الشاعر، وعمق الباحث، ليصوغ من كل ذلك شعرًا يفيض بالعاطفة والكرامة والمعنى. وقصائده ليست تمرينًا بلاغيًا، بل شهادة على زمن، وموقف من الحياة، ورغبة في خلق الجمال، حتى في قلب الألم.

قد يعجبك ايضا