حيدر فليح الشمري
حين طرحنا السؤال الأزلي ما هي الحياة؟ وجدنا الإجابات متشعبة بين الفكرة والحب والمعرفة والجحيم لكن مهما اختلفت التعريفات، تبقى الحرية هي الخيط الخفي الذي يجمعها جميعًا، فما معنى فكرة بلا حرية، أو حبّ مقيد، أو معرفة مسجونة، أو جحيم يفتك بالإنسان لأنه حُرم من أن يكون ذاته؟!
الفلاسفة منذ القدم لم يتركوا الحرية دون تفكيك وتأمل، جان جاك روسو جعلها قرينة العدالة، فاعتبر أن الإنسان يولد حرًا، لكن المجتمعات تقيده بالقيود، جان بول سارتر ربطها بالمسؤولية، فقال إن الحرية ليست مجرد انعتاق، بل عبء أن نختار ونصنع مصيرنا، أما نيلسون مانديلا فحوّلها إلى فعل مقاومة، حين أدرك أن الحرية ليست أن تتحرر من قيودك فقط، بل أن تتيح لغيرك أن يتحرر معك.
على أرض الواقع، الحرية كانت دومًا محرك التاريخ، من صرخات العبيد في العصور القديمة، إلى صدى الثورات الحديثة، كانت الحرية تسكن القلوب قبل أن تُرفع في الشعارات، كل مقاومة للظلم، وكل تمرد على الاستبداد، وكل كلمة كُتبت بمداد الدم، كانت إعلانًا عن أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياة بلا حرية. وسط هذا الزخم ، يجيء صوت الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، ليضع الحرية في أبهى معانيها :
((لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرً ا)).
هذه ليست دعوة سياسية فقط، بل نداء داخلي للكرامة الإنسانية، إنها تذكير بأن الحرية تبدأ من الداخل، من قرار الروح أن لا تخضع إلا لله، وأن لا تبيع إرادتها لمخلوق. وهكذا حين نعيد التفكير في سؤال ما هي الحياة؟ نجد أن الحرية هي روح هذا السؤال، الحياة بلا حرية مجرد بقاء، والحرية بلا حياة مجرد فكرة عابرة، لكن حين يلتقيان، يولد الإنسان الحقيقي، الكائن القادر على أن يحب ويعرف ويصنع معنى وجوده.
فالحرية ليست غاية نهائية، بل هي الطريق الذي يجعل من كل فكرة ضوءًا، ومن كل حبّ حياة، ومن كل معرفة خلاصًا، إنها الوجه الآخر للحياة، بل لعلها هي الحياة نفسها في أجمل صورها.