الموت بين الوجود والفناء الصوفي: قراءة حداثية في قصيدة (الدقائق الأخيرة)

عباس عبدالرزاق

يظلّ الموت أحد أعقد الإشكاليات التي شغلت الفكر الإنساني، سواء في الفلسفة أو الأدب أو التجربة الدينية. فهو من جهة يمثل الفناء والانقطاع عن العالم، ومن جهة أخرى قد يكون لحظة الكشف عن الحقيقة الكونية الكبرى. وقد تنوّعت مقارباته بين رؤية وجودية ترى فيه أفقًا للحرية والأصالة (هايدغر)، ورؤية عبثية تصطدم بلامعقولية الحياة (كامو)، ورؤية صوفية تؤول الموت بوصفه وصالًا ومقامًا نهائيًا في رحلة العشق الإلهي (الرومي، ابن عربي).

قصيدة “دقائق الأخيرة” ل عباس عبد الرزاق تقدّم نموذجًا غنيًا لهذه الملتقيات: فهي تستحضر مشهد الإعدام بكل قسوته الواقعية، لكنها تفككه لتجعله رحلة روحية عبر خمس مقامات، يتحوّل فيها الجسد إلى فناء والروح إلى انعتاق. من هنا، فالقصيدة ليست مجرد نص شعري، بل تجربة فكرية وروحية تنفتح على البعد الوجودي، البنية الحداثية، والتأويل الصوفي.

المحور الأول: البعد الوجودي

يرى مارتن هايدغر أن الإنسان هو «الكائن نحو الموت»، أي أن وعيه بذاته لا يكتمل إلا حين يواجه حقيقته الفانية، لا كحادث خارجي بل كإمكانية أصيلة للوجود نفسه(1). في هذا الإطار، يظهر البطل في القصيدة وهو أمام الجنود والرصاص، لكنه لا يسمع “كلمة الإعدام”، بل يسمع “نداءً آخر”:

“في الصفِّ / لم يسمع كلمةَ الإعدام / بل سمعَ نداءً آخر / تعالَ… لقد حانَ سفرُك”

هنا يتجلى الوعي الأصيل الذي يتجاوز السلطة الخارجية (حكم الإعدام) نحو تأويل داخلي حرّ (السفر الروحي). هذا ما يصفه هايدغر بالتحوّل من الوجود غير الأصيل إلى الوجود الأصيل، أي مواجهة الموت بوصفه انكشافًا للحقيقة.

أما ألبير كامو، فقد قدّم في أسطورة سيزيف تصورًا مغايرًا، إذ رأى أن مواجهة الموت تكشف عبثية الوجود، وأن على الإنسان أن يخلق معنىً لحياته وسط هذا العبث(2). غير أن قصيدة “دقائق الأخيرة” تتجاوز العبث الكاموي، إذ تضع سؤالًا صريحًا:

“الخامسة: سألَ الوجودَ عن معناه / فأجابه الصمتُ…”

لكن الصمت هنا ليس فراغًا عدميًا كما عند كامو، بل يكشف وحدة الوجود عبر استعارة موج البحر وشرارة النار:

“أنا الموجةُ… أعودُ إلى البحر / أنا الشرارةُ… أذوبُ في النار / أنا أنتَ… وأنتَ أنا”

إن الصمت الذي يجيب ليس عبثًا، بل هو لغة الكينونة التي تعيد الفرد إلى أصل الوجود. وهنا يلتقي البعد الوجودي بالتصوف: الموت ليس نهاية، بل كشف للهوية الكونية.

المحور الثاني: البعد الصوفي

إن قراءة قصيدة “دقائق الأخيرة” من منظور صوفي تكشف أن النص يعيد بناء تجربة الموت على هيئة رحلة عبور روحية، لا تختلف كثيرًا عن تصور المتصوفة للموت كوصال. فالقصيدة تضع أمامنا خمس مقامات للروح، تشبه في بنيتها ما يسميه الصوفيون المقامات والأحوال، وهي المراحل التي يقطعها السالك في طريقه إلى الحقيقة.

1. المقام الأول: الفناء في الصحبة

“الأولى: وداعٌ صامتٌ للرفاق / نظرةٌ تُغني عن كل الكلمات / كأنها صلاة مكتومة”
هنا يتجلى البعد الجماعي للتجربة الصوفية، حيث يذوب السالك في جماعته الروحية قبل أن ينفرد برحلته. الصمت هنا ليس عجزًا، بل ذكرًا داخليًا، وهو ما يسميه المتصوفة بـ”الصلاة القلبية”(1).

2. المقام الثاني: المشاهدة

“الثانية: رفعَ بصرَهُ / فانشقتِ السماءُ عن بابٍ من نور”
هذه الصورة تحاكي ما يسميه ابن عربي بـ”كشف الحجاب”، حيث يفتح الله للسالك بابًا على الغيب(2). انشقاق السماء يرمز إلى تجاوز الظاهر نحو الباطن، والدخول في مقام المشاهدة.

3. المقام الثالث: العودة إلى الأصل

“الثالثة: الأرضُ أطلّتْ كأمٍّ / تمد ذراعيها لتحتضنَه / وتهمس: منها خرجتَ / وفيها أعودُكَ إلى سرّك”
هنا تحضر صورة الأم الأرض، وهي تذكّر بالقرآن: “منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى”. في التأويل الصوفي، الأرض ليست مجرد مادة، بل أصل الأسرار، ومنها يبدأ الانكشاف.

4. المقام الرابع: الذوق الروحي

“الرابعة: ثمرةٌ متخيّلةٌ تذوبُ على لسانهِ / كأن حلاوة الوجود كله / تقطّرت في قطرة تمر / في رشفة ماء / في نفس أخير”
هذه اللحظة تجسّد مفهوم الذوق عند المتصوفة، وهو التجربة الحسية للمعنى الروحي. التمر والماء ليسا مجرد غذاء جسدي، بل رمز “الحلاوة الكونية” التي تتجسد في أبسط الأشياء. يقول الرومي: «إن لذة العشق في قطرة ماء، لكنها تسع بحرًا بلا شاطئ»(3).

5. المقام الخامس: الفناء في الواحد

“الخامسة: سألَ الوجودَ عن معناه / فأجابه الصمتُ: أنا الموجةُ… أعودُ إلى البحر / أنا الشرارةُ… أذوبُ في النار / أنا أنتَ… وأنتَ أنا”
هنا يصل النص إلى ذروة التجربة الصوفية: الفناء. الصمت لا يُفهم كعدم، بل كلغة إلهية خفية تكشف وحدة الوجود. هذه الاستعارة تتقاطع مع ابن عربي في قوله: «القطرة لا تنفصل عن البحر، وإن ظهرت مفردة»(4)

“لكنّ الروح ارتفعت كطائرٍ أبيض / تجاوزتِ الأعمدةَ / ذابتْ في النورِ / وعادتْ إلى المعشوق الأزلي”
صورة الطائر الأبيض تحيل إلى “طائر الروح” عند المتصوفة، وهو رمز الحرية والانعتاق. عودة الروح إلى “المعشوق الأزلي” تعني أن الموت هنا ليس انقطاعًا، بل عرسًا روحيًا، وهو ما يسميه الرومي «ليلة العرس» (شِبِ عروس).

المحور الثالث: البعد الحداثي

لا يمكن قراءة قصيدة “دقائق الأخيرة” خارج أفق الشعر الحداثي العربي، إذ إنها تبني تجربتها على تفكيك الزمن، انزياح اللغة، وتحرير الشكل، وهي سمات أساسية في حركة الحداثة الشعرية منذ منتصف القرن العشرين.

1. تفكيك الزمن

القصيدة لا تتبع سردًا خطيًا يبدأ بالحدث الواقعي (الإعدام) وينتهي بوقوع الموت، بل تقوم على انزياح متدرّج من الواقعي إلى الرمزي. تبدأ الصورة بصرامة المشهد العسكري:

“أعمدةٍ انتصبتْ كأوتاد الغيب / والجنود يصوّبون إلى فراغٍ لا يُرى”

ثم تنفتح تدريجيًا إلى عوالم ميتافيزيقية عبر المقامات الخمس. هذا الانزلاق من المشهد الخارجي إلى المشهد الداخلي يمثل تفكيكًا لزمن الواقع، وإعادة صياغته وفق زمن شعري يتجاوز اللحظة إلى الأبدية.

2. انزياح اللغة

اللغة هنا لا تُستخدم في معناها المباشر، بل في معناها الإيحائي. فالإعدام يُعاد تأويله بوصفه “سفرًا”، والرصاص يتحول إلى لحظة انعتاق. هذا الانزياح يعكس ما أشار إليه أدونيس في الثابت والمتحول حين اعتبر أن الشعر الحداثي “يهدم المعنى المباشر ليؤسس معنىً آخر منفتحًا على الماوراء”(1).

3. حرية الشكل

النص مكتوب في قالب قصيدة حرة، بلا وزن أو قافية، لكن بإيقاع داخلي يعتمد على التكرار (“الأولى، الثانية، الثالثة…”) وعلى التوازي الصوتي بين الصور. هذا يمنحه موسيقى داخلية بديلة عن الموسيقى التقليدية.
وهو ما يتفق مع تجربة السياب ودرويش وغيرهما في كتابة الموت عبر الشعر الحر: بناء إيقاع يتبع التجربة الداخلية لا الوزن الخارجي.

4. شعرية الصورة

القصيدة تستثمر الرمز الكوني (الموجة، البحر، الشرارة، النار، الطائر الأبيض) لتجاوز الخصوصية الفردية. هذه الصور تجعل النص منفتحًا على قراءات فلسفية وروحية متعددة، وهذا هو جوهر الحداثة: الشعر بوصفه أفقًا للتأويل، لا خطابًا مغلقًا.

تكشف قصيدة “دقائق الأخيرة” عن نص شعري يتقاطع فيه الفكر الوجودي (الموت ككشف للمعنى)، مع التجربة الصوفية (الموت كوصال ومعراج)، ومع البنية الحداثية (الشعر كأفق مفتوح). إنها قصيدة تحول مشهد الإعدام من حدث سياسي/جسدي إلى طقس كوني يتجاوز حدود الفرد، ويمنح الموت معنىً شعريًا وروحيًا وفلسفيًا.

وهكذا، يمكن القول إن النص يثري الشعر العربي المعاصر بقدرته على الجمع بين القلق الفلسفي والعشق الصوفي والانزياح الحداثي، مما يجعله نصًا متعدد الطبقات، قابلًا للقراءة في حقول الأدب والفلسفة والدين معًا.

هوامش المحور الأول:
‏1. Martin Heidegger, Sein und Zeit (Bei Time), 1927. الترجمة العربية: الوجود والزمان، ترجمة عبد الغفار مكاوي، دار النهضة العربية، 1994.
‏2. Albert Camus, Le Mythe de Sisyphe, 1942. الترجمة العربية: أسطورة سيزيف، ترجمة سهيل إدريس، دار الآداب، 1990

هوامش المحور الثاني:
1.عبد الرحمن بدوي، التصوف: نظرية وتجليات، دار النهضة العربية، بيروت، 1968.
2.ابن عربي، الفتوحات المكية، ج.2، تحقيق عثمان يحيى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980.
3.جلال الدين الرومي، المثنوي المعنوي، ترجمة إبراهيم الدسوقي شتا، دار سعاد الصباح، الكويت، 1993.
4.ابن عربي، فصوص الحكم، تحقيق أبو العلا عفيفي، دار ا

هوامش المحور الثالث:
1.أدونيس، الثابت والمتحول: بحث في الإبداع والاتباع عند العرب، دار العودة، بيروت، 1974.
2.بدر شاكر السياب، أنشودة المطر، دار العودة، بيروت، 1960.
3.عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1985.

قد يعجبك ايضا