مروان ياسين الدليمي
(54)
كلما طالت إقامتي في اللغة،
صرتُ أشكّ في حدودها.
هل تكفي؟
هل تقدر أن تقول حقًا ما لا يُقال؟
ثم أضحك،
كما يضحك الغريق حين يرى قاربًا من ورق.
فأنا أعرف أنها لن تُنقذني،
لكنني سأظلّ أكتب بها.
أصرخُ بها.
أكسرها إن لزم الأمر،
فربما،
بين شظاياها،
أعثر على نفسي.
(55)
وها أنا،
بعد ستين بابًا وخمسةٍ،
أجلسُ أمام المعنى كما يجلس تلميذٌ
أمام طاولةٍ فارغة في امتحان الوجود.
لا قلم،
لا سؤال،
فقط جدارٌ أبيض وصوتٌ داخلي يقول:
“ربما الشعر، هو أن تستمرّ، حتى لو لم يُفهم شيء.”
(56)
في كلِّ مرةٍ أكتب،
كأنني أحاول أن أزرع ظلاً لشجرةٍ لم تنبت بعد.
القصيدةُ لا تأتي حين أطلبها،
بل حين أنسى لماذا كتبتُ أصلًا.
تطلُّ من فجوة في الجدار،
تضحكُ ساخرةً وتقترح عليّ مفردة لم أستخدمها من قبل،
لكنها تشبهني أكثر مما يشبهني اسمي.
(57)
أحيانًا
تكون القصيدة بقعةً على قميصي،
لم أنتبه لها عند الغسيل،
تلتصق بي كخطيئةٍ لا تُغفر
ولا تُنسى،
تخرج معي إلى الشارع،
وتجلس بجانبي في الباص،
تأكل معي،
وتنام على وسادتي كأنها قطة من لغةٍ قديمة.
(58)
هناك جُمَل كُتبت كي لا تُفهَم،
كي تبقى معلقةً في الهواء كعطرٍ لم يسبق أن شُمّ،
أو كصوتِ امرأةٍ تبكي خلف جدار وتظن أن أحدًا لن يسمع.
أنا أهوى هذه الجمل،
أعثر عليها كما يُعثر على عظمةٍ في جيب معطفٍ قديم،
أحملها بلطف، وأقول:
“هنا يسكن الشعر، في ما لا يُقال ” .
*مقاطع من مجموعتي الشعرية “أبحثُ عن الشعر” اصدار 2025