قراءة نقدية تحليلية لقصة “نُزهة الموتى” ـ جمال نوري

 

نُزْهَةُ الْمَوْتَى

 

جمال نوري

أَيُّ أَخْرَقَ كَانَ مُدِيرُ الْبَلَدِيَّةِ الَّذِي نُقِلَ ذَاتَ صَيْفٍ إِلَى مَدِينَتِنَا الصَّغِيرَةِ حَيْثُ اسْتَهَلَّ أَعْمَالَهُ بِنَقْلِ الْمَقْبَرَةِ الْقَدِيمَةِ مِنْ وَسَطِ الْبَلْدَةِ إِلَى خَارِجِهَا.
انْشَغَلَ النَّاسُ بِنَقْلِ جُثَامِينَ وَهَيْاكِلِ مَوْتَاهُمْ فِي حَرَكَةٍ دَائِبَةٍ إِلَى الْمَقْبَرَةِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقَعُ خَلْفَ بُيُوتِنَا. كَانَ مَشْهَدُ النَّاسِ وَهُمْ يُغَذُّونَ خُطَاهُمْ نَحْوَ الْمَقْبَرَةِ حَامِلِينَ أَكْيَاسًا بَيْضَ تَضُمُّ رِفَاتَ مَوْتَاهُمْ طَقْسًا جَدِيدًا أَلَمَّ بِالْمَدِينَةِ فَضْلًا عَنْ انْشِغَالِ عَشَرَاتِ الشَّبَابِ فِي الْمَقْبَرَتَيْنِ، مِنْهُمْ مَنْ يَحْفِرُ لِاسْتِخْرَاجِ الْعِظَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْفِرُ لِيَدْفِنَهَا.
بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ مَا يَزِيدُ بِقَلِيلٍ… تَوَقَّفَ الْعَمَلُ فِي الْمَقْبَرَتَيْنِ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ النَّاسُ مِنْ نَقْلِ الْمَوْتَى، وَلَكِنَّ مَا أَزْعَجَ مُدِيرَ الْبَلَدِيَّةِ هِيَ الْقُبُورُ الْمُتَبَقِّيَةُ الَّتِي لَمْ يَسْأَلْ عَنْهَا أَصْحَابُهَا، فَأَمَرَ بِأَنْ تُحْفَرَ بِالشَّفْلَاتِ وَأَنْ تُرْسَلَ إِلَى بُقْعَةٍ صَغِيرَةٍ مُنْخَفِضَةٍ تَلاَصِقُ مَدْرَسَتِي الْمُتَوَسِّطَةِ الَّتِي التَحَقْتُ بِهَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ.
هُنَاكَ… فِي الْمُنْخَفِضِ الَّذِي طُمِرَ بِتُرَابِ الْمَوْتَى كُنَّا نَلْعَبُ وَنَتَراشَقُ بِالْعِظَامِ مُنْدَهِشِينَ مِنْ أَشْكَالِ الْعِظَامِ وَالْجَمَاجِمِ اللَّامِعَةِ. كُنَّا نُخِيفُ بَعْضَنَا الْبَعْضَ بِالْجَمَاجِمِ الْمُكَسَّرَةِ وَنَتَسَابَقُ بِنَزَقٍ وَفَرَحٍ عَجِيبٍ.
بَعْدَ أَيَّامٍ سُوِّيَتِ الْأَرْضُ وَزُرِعَتْ وَأَصْبَحَتْ وَاحِدَةً مِنْ أَجْمَلِ حَدَائِقِ مَدِينَتِنَا، بَيْنَمَا نَبَتَتْ شَجَرَةٌ عَمَلاقَةٌ قُرْبَ دَارِ السِّينَمَا الَّتِي شُيِّدَتْ فَوْقَ الْمَقْبَرَةِ وَشَطَرَتْ جِدَارَهَا إِلَى نِصْفَيْنِ، حَيْثُ عُوقِبَ مُدِيرُ الْبَلَدِيَّةِ بِالنَّقْلِ وَكَذَلِكَ الْمُهَنْدِسُ الْمُقِيمُ، وَلَمْ يَشْهَدْ شَبَابُ الْمَدِينَةِ وَأَطْفَالُهَا الْأَفْلَامَ الَّتِي كَانُوا يَحْلُمُونَ بِرُؤْيَتِهَا وَهُمْ يَجْلِسُونَ مُسْتَرْخِينَ يَجْرُشُونَ حَبَّ عِبَاد الشمس.

 

قراءة نقدية تحليلية لقصة “نُزهة الموتى” ـ جمال نوري

عباس عبدالرزاق

القصة قصيرة جداً، لكنها محملة بعالم متكامل من الدلالات. اعتمد الكاتب أسلوب السرد الحكائي البسيط الذي يتصاعد تدريجياً من حدث إداري (قرارانقل المقبرة) إلى مشهد غرائبي(لعب الأطفال بالجمامجم) ثم إلى تحول عمراني (بناء السينما وحديقة). هذا التدرج يشي ببنية “المفارقة المأساوية” حيث يختلط الجدّ بالهزل، الموت بالحياة، والذاكرة بالنسيان.
قرار نقل المقبرة ليس مجرد إجراء إداري، بل يكشف عن علاقة السلطة بالذاكرة الجماعية. فالمقبرة في قلب البلدة تمثل تاريخ الناس، هويتهم ووجودهم المستمر. حين تُنقل، يتحول الموت إلى عبء إداري يمكن التخلص منه. لكن ما يحدث لاحقاً من لعب الأطفال بالعظام يعكس اختلال القيم في مجتمع لم يعد يقدّس موتاه، بل يحوّلهم إلى أدوات للهو والعبث. هنا يحضر مفهوم عالم الاجتماع موريس هالبواكس عن “الذاكرة الجماعية” التي يمكن أن تُمحى أو يُعاد تشكيلها بقرارات ..
الموت طقس إنساني مقدس في كل الثقافات، والمقبرة فضاء رمزي يربط الأحياء بأسلافهم. القصة تفكك هذا المعنى: الأحياء يحملون موتاهم في “أكياس بيض” كأنهم بضاعة، والأطفال يتراشقون بالجماجم كأنها كرات. هذا الانقلاب الطقسي يحيل إلى ما يسميه كلود ليفي ـ شتراوس “تفكك البنية الرمزية” للمجتمع، حيث تتحول الطقوس إلى أفعال ميكانيكية خالية من المعنى.
في العمق، القصة تطرح سؤالاً عن جدلية الحياة والموت. العظام التي كانت رمزاً للفناء تتحول إلى لعبة، والأرض التي كانت مقبرة تصبح حديقة خضراء. هنا تبرز فكرة الفيلسوف هايدغر عن “الكينونة نحو الموت” (Being-towards-death) ، لكن بطريقة مشوهة: بدلاً من أن يذكّر الموت الإنسان بمعناه الوجودي، يصبح مادة استهلاكية في مشروع التمدن. كذلك، شجرة عملاقة تنبت من تربة الموتى قرب دار السينما، كأنها تذكير بأن الحياة لا تُمحى بل تعود في صور أخرى، وإن كانت مشوهة بفعل السلطة.
القصة تستحضر ذاكرة الطفولة بوصفها حافلة بالدهشة والعبث. الأطفال لا يفهمون قداسة العظام، فيتعاملون معها بلعب طفولي بريء ظاهرياً، لكنه يكشف عن تشوه نفسي جمعي: الأجيال تنمو وهي تتطبع مع “تدنيس الموت” ومع غياب المعنى. إنها صورة عن التطبيع مع الفقد بحيث يصبح الموت مألوفاً، بل مادة للمتعة.
عقاب مدير البلدية والمهندس في نهاية القصة ليس تعويضاً عن الجريمة الرمزية بحق الموتى، بل هو إجراء بيروقراطي آخر. أما الخسارة الحقيقية فهي أن “شباب المدينة لم يشاهدوا الأفلام التي حلموا بها” أي أن مشروع التمدن الموعود انهار، وبقيت المدينة بلا ذاكرة وبلا متعة ثقافية. وكأن القاص يقول: حين نستهين بالموتى، نخسر نحن الأحياء أيضاً. البنية الرمزية ، المقبرة القديمة = الذاكرة الجمعية.
الأكياس البيض = تسليع الموت وتحويله إلى مادة محمولة. الأطفال والجمامجم = تفكك القيم وانتقال اللامبالاة من جيل لآخر. الحديقة والشجرة العملاقة = مفارقة الحياة المنبثقة من الموت، لكنها حياة بلا جذور أخلاقية. دار السينما المشطورة = انكسار الحلم الثقافي، وانقسام الذاكرة الجمعية.
قصة “نزهة الموتى” عمل قصير لكنه محمّل بكثافة رمزية تجعل منه نقداً اجتماعياً وفلسفياً للذاكرة، للسلطة، وللعلاقة الممزقة بين الموت والحياة. جمال نوري لا يروي حكاية عن مدينة صغيرة فحسب، بل يكتب عن العالم الحديث حين يحوّل الموت إلى مجرد ملف إداري، وحين تصبح الذاكرة الجماعية قابلة للنقل والطمر كما لو كانت نفايات.

قد يعجبك ايضا