محمد قفطان
لم يكن حارث السوداني على دراية بأنه سيكون قدوة، بأنه سيعيد تعريف الأشياء إلى صورة غير التي نعرفها. لم يكن يعلم أن خطواته في الظل ستترك أثرًا في الضوء، وأن صمته سيكون صخبًا في ذاكرة الوطن، وأن موته سيهب الحياة لمعانٍ كادت أن تندثر .
• رجل بين العتمة والنور :
كان يمشي بين الظلال، يتنفس الخطر كما يتنفس العشاق الاغاني والشعر والليل، لا يحمل سلاحًا ظاهرًا، لكن صدره كان ممتلئًا بالوطن. رجلٌ لم يتباهه ببطولاته، لم يسعَ ليكون اسمًا تتناقله الشفاه، لكنه صار ذاكرة تُنقش في القلوب. كأنما خُلق ليكون همزة الوصل بين جيشٍ يعمل بصمت وشبابٍ يتعطشون للإيمان بقضية ما ، بأسم ، بقائد ، وبخيط يقودهم نحو الايثار والفضيلة ، بين دولةٍ أرهقتها التحديات وجيلٍ يبحث عن معنى التضحية .
لطالما كانت هناك فجوة بين الشباب والعسكرية، بين الأمل والسلاح، بين الحلم والواقع، لكن حارث، بوجهه الشاب وعينيه المضيئتين، اختصر كل تلك المسافات. فجأة، صاروا يرون فيه الوطن الذي أرادوه، الرجل الذي يشبههم لكنه تجاوزهم، الإنسان الذي لا يدّعي البطولة لكنه يحملها بين ضلوعه كما يحمل الشعراء الكلمات في قلوبهم.
• قصة عشق للوطن :
ما الذي يجعل شابًا يختار أن يكون ظلًا في عالمٍ لا يراه؟ أن يمضي نحو حتفه بقدمين ثابتتين، أن يترك الحياة بإرادته ليهبها للآخرين؟ إن لم تكن هذه قصة عشق، فماذا تكون؟ العاشق لا يبحث عن مقابل، لا يسأل متى يأتي الدور عليه، لا يلتفت إن غاب اسمه عن القصائد والخطب. كان شاعرًا دون كلمات، محاربًا دون صخب، عراقيًا جدًا حتى النخاع ، واثقًا بأن الأرض التي يمشي عليها تستحق أن يُبذل لها العمر بلا تردد .
• أن يكون قدوة دون أن يدري :
لم يكن يطمح أن يكون رمزًا ، لكنه أصبح .. لم يسعَ ليكون بطلًا، لكنه خُلق كذلك .. حارث السوداني لم يكن مجرّد رجلٍ قاتل الإرهاب، بل كان جسرًا بين جيلٍ تائهٍ وحقيقةٍ كانوا يجهلونها : أن هناك رجالًا يسهرون حين ينام الجميع ، يزرعون الأمن حين يختبئ الخائفون ، ويقفون وحدهم في وجه العاصفة كي لا تمسّ البلاد بسوء .
• الخلود في إرث لا يُمحى :
حتى بعد أن رحل بقي أثره ، صار الشباب يحلمون بأن يكونوا مثله، بأن يحملوا الأمانة كما حملها، بأن يتبعوا أثره في ممرات الخطر كما لو كانوا يقتفون خطى قديس . حارث لم يمت، بل صار اسمًا يتردد كدعاء، كقسم، كتعويذة تُحفظ عن ظهر قلب في كل حنجرة تهتف للعراق.
في النهاية ، لم يكن حارث يعلم أن موته سيهب الحياة لأشياء كثيرة .. لكنه فعل . لم يكن يعلم أن صمته سيتحول إلى لغةٍ يفهمها الجميع … لكنه فعل . لم يكن يعلم بأنه سيكون قدوة . لكنه صار .. والآن ، في كل قلبٍ يخفق بحب العراق، في كل عينٍ تبحث عن الحقيقة، في كل روحٍ لا تهاب الموت من أجل الحياة، هناك شيء من حارث السوداني، وهناك شعلة لن تنطفئ الى الابد .