بشار عليوي ناقدٌ يُضيء دروب المسرح بفكرٍ متقد ووعيٍ بناء

محمد علي محيي الدين

حين تُذكَر الحلة، تُذكَر كنوزها الثقافية، ومبدعوها الذين مشوا بين مآذنها وسعف نخيله حاملين جراحهم وأحلامهم، ومن هؤلاء، يبرز اسم الدكتور بشار عليوي، ناقدًا وباحثًا ومُخرجًا ومُعلِّمًا، كتبَ اسمه في سجل الثقافة العراقية بحبرٍ من المثابرة والعطاء النوعي.

ولدَ بشار عليوي في مدينة الحلة عام 1975، في أسرةٍ دينية رصينة، نهل من بيئته الأولى عناصر الانضباط والصدق، ثم انطلق في فضاء الفن مُتحديًا ما اعتادت عليه المدينة من ثنائية التحفظ والانفتاح، ليجد في المسرح بيتًا لا يسألك من أين أتيت، بل يسألك: ماذا لديك لتقول؟ وقد كان لديه الكثير.

درس في كلية الفنون الجميلة بجامعة بابل، وتخرج عام 2001، حاصلاً على شهادة البكالوريوس في التربية المسرحية، ولم يكن ذلك نهاية المطاف، بل بداية لمسيرةٍ أكاديمية نال فيها الماجستير عام 2013، ثم الدكتوراه عام 2018، في الفنون المسرحية، من ذات الكلية التي خرج منها شابًا حالمًا.

في عوالم المسرح، تنقّل بشار بين الخشبة والمقال، بين الإخراج والقراءة النقدية، بين الحضور الجسدي في العروض والمثول العقلي في المؤلفات. ولأنه ابنُ زمنٍ مضطرب، انشغل بسؤال التحوّل، فكتب عن المسرح العراقي ما بعد 2003، وعن المسرح والإرهاب، وعن مسرح الأقليات، وهو في كل ذلك، لم يكن مجرّد مؤرّخٍ للفجيعة، بل شاهدًا عليها وناقدًا لمفاصلها، وراسمًا لدروبٍ تفتح أفق المسرح على مزيدٍ من الحيوية.

نال بشار عضوية نقابات عدة: الأدباء، الصحفيين، الفنانين، وفناني كردستان، وبهذا التعدد لم يُضيّع صوته، بل عمّقهُ، وغذّاه من منابع مختلفة. أمّا مؤلفاته، فتُشكّل مكتبة قائمة بذاتها، ومن أبرزها: “المسرح العراقي بعد التغيير” و”مسرح الشارع: حفريات المفهوم والوظيفة والنتاج”، و”الميديولوجيا والمسرح المعاصر”، و”موسوعة مسرح الشارع”، وكلها تعكس عقلًا ناقدًا يُعيد النظر لا في العروض فحسب، بل في المفاهيم والأدوات والوظائف.

النقّاد الذين عايشوا تجربته رأوا فيه ناقدًا يمتلك قدرة نادرة على الجمع بين القراءة المعرفية الدقيقة والخبرة العملية المسرحية؛ فهو لا يقرأ العرض من خارجه، بل من داخله، يُمسك بخيوطه، ويُعيد ترتيبها على ضوء الجدل الجمالي والفكري الذي يحكم العرض والبيئة. وصفه بعضهم بأنه «أشبه بالراهب المسرحي» في شغفه واحتراقه للخشبة، بينما رآه آخرون وريثًا شرعيًا لمدرسة النقد التطبيقي في المسرح العربي، التي تنأى عن المجاملات وتغوص في عمق الفعل المسرحي.

وقد أخرج أكثر من خمسة عشر عملًا مسرحيًا، وجال في المهرجانات المحلية والعربية، ناقدًا وممثلًا وباحثًا وعضوًا في لجان التحكيم، من الشارقة إلى مراكش، ومن القاهرة إلى قرطاج، ومن بغداد إلى الفجيرة، دائمًا ما كان يُعبّر عن المسرح العراقي بصوتٍ جهير وفكرٍ مؤسّس. وإلى جانب بحوثه، كتب دراسات عن أعلام المسرح، منهم: حامد خضر، جبار جودي، حسن عطية، علي الربيعي، كاشفًا عن وجه آخر من أوجه الوفاء الإبداعي، لا ينسى الرواد ولا يُقصي المجددين.
ورغم هذا الحضور، فإن بشار عليوي ليس نجميًا بمعناه الإعلامي، بل هو أقرب إلى المُنقب في الصخر، يعمل بصمت، يُنجز، ويترك أعماله تتكلم عنه.

ولأنه ابن الحلة، مدينة الشعر والعلم والروح، لم يكن غريبًا أن يكتب سيرة ثانوية الحلة للبنين، في استعادة توثيقية تُجسد الوفاء للمكان الذي صاغ شخصيته، فأعاد عبر هذا الكتاب كتابة جزء من تاريخ المدينة التربوي.

لقد اختار بشار عليوي مسارًا وعرًا، لا يطمع بمديحٍ عابر، ولا يراهن على ضوء الكاميرات، بل على القيمة والمعنى. إن تجربته تُشكّل علامة فارقة في المشهد الثقافي العراقي المعاصر، لأنها توازن بين العمق الأكاديمي والانخراط العملي، بين النقد المنتج والرؤية الحاضنة للتجريب والمغايرة.

وفي زمنٍ اختلطت فيه الأصوات وعلت فيه الضوضاء، يبقى صوت بشار عليوي واحدًا من الأصوات الهادئة، لكنه الأشدّ أثرًا، لأن خلفه جهدًا، ووعيًا، وحبًا للمسرح لا يصدأ.

قد يعجبك ايضا