عباس عبد الرزاق
في زمن باتت فيه القصص الكبرى تنهار، وتغدو الحكايات الصغيرة أكثر قدرة على تمثيل حقيقة الإنسان، يطل علينا القاص جمال الهنداوي بمجموعة من النصوص القصصية التي تلتقط نبض الشارع العراقي، وتضعه تحت مجهر السرد. شخصياته ليست أبطال ملاحم، بل بسطاء، مهمشون، يصنعون حياتهم من فتات الفرح وكسور الأمل، لكنهم يحتفظون بكرامة داخلية تجعلهم أكبر من ظروفهم.
المجموعة التي نقرأها هنا تضم خمس قصص: حب.. وحمص.. وثالثهما نيتشه، بجاه أبي الجوادين، دليفري، خيوط القلب، والميت الحي. ورغم تباعد موضوعاتها ظاهريًا، فإنها تشترك في خيط إنساني واحد: البحث عن المعنى وسط الخسارة.

حب.. وحمص.. وثالثهما نيتشه
يحكي النص عن “جليل”، بائع الحمص الشاب الذي يلتقي صدفة بفتاة جامعية، فتتحول مشاعره نحوها إلى دافع لدخول عالم الفلسفة. ورغم أن الحب ينتهي بخيبة، فإن المعرفة تبقى، وتتحول الخسارة العاطفية إلى مكسب ثقافي. هنا يضعنا الهنداوي أمام مفارقة بديعة: أن الفقد قد يفتح أبوابًا أخرى لم نكن نعرف أننا نملك مفاتيحها.
بجاه أبي الجوادين
امرأة فقيرة تواجه خيانة الحبيب الذي تركها تحت ضغط أمه. بعد سنوات، يعود طالبًا الزواج، لكنها ترفض. الرفض هنا ليس فعل غضب عابر، بل إعلان كرامة، ورفض لإعادة إنتاج الألم. استدعاء مرقد الإمام الكاظم يمنح القرار بعدًا روحياً، كأن المقدس ذاته يساند موقفها.
دليفري
عامل توصيل يلتقي بامرأة مسنّة وحيدة، لتنشأ بينهما علاقة أمومة بديلة. الطعام يصبح ذريعة للقاء، واللقاء يصبح علاجًا للوحدة. النهاية الغامضة، بغياب المرأة المفاجئ، تترك في النص فراغًا يحاكي الفراغ العاطفي الذي تعيشه الشخصيات.
خيوط القلب
أم فقيرة تخيط ثوب العيد لابنها يدويًا بعد أن تعطلت ماكينة الخياطة. الإبرة تجرح أصابعها، لكنها تنسج وردة صغيرة على جيب الثوب. وردة الخيوط تصبح هنا أكثر من زخرفة، إنها إعلان حب وفداء، ودرس في أن الفقر لا يلغي جمال التفاصيل.
الميت الحي
سجين سياسي يخرج بعد 13 عامًا ليجد أن بيته بيع، وأهله رحلوا، والوطن نفسه صار غريبًا. عبارته: “الدولة التي تخاف من الكتاب، تكون مصنوعة من الورق” تلخص المأساة السياسية والثقافية معًا. في النهاية، يجد قبر والديه المكان الوحيد الذي يمكنه تسميته “بيتًا”.
لغة السرد وبنيته
لغة جمال الهنداوي بسيطة، لكنها تحتفظ بعمقها الإنساني، وتعرف متى تتوقف لتترك للقارئ مساحة للتأمل. الحوار مختزل، واقعي، يلتقط نبض الحياة اليومية. الأمكنة محددة بدقة (بوابة كلية الآداب، الكاظمية، شوارع بغداد، المقبرة) مما يمنح النصوص انغراسًا محليًا صادقًا.
المغزى الإنساني
هذه النصوص، رغم بساطتها الظاهرية، مشبعة بأسئلة كبرى:
•هل يمكن للحب أن ينجو من الخذلان؟
•كيف تتحول الخسارة إلى وعي؟
•ما معنى الوطن حين يغدو القبر أكثر ألفة من الشارع؟
جمال الهنداوي لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يمنح القارئ مسرحًا من الشخصيات والمواقف التي تجبره على التفكير. هنا يكمن جمال هذه المجموعة: في أنها تجعل من التفاصيل اليومية مرآة تعكس قضايا كبرى، من القمع السياسي إلى الوحدة، ومن الحب إلى المعرفة.
في عالم جمال الهنداوي القصصي، المهمشون ليسوا شخصيات ثانوية، بل هم جوهر الحكاية. من بائع الحمص إلى السجين السياسي، من الأم الخياطة إلى المرأة التي ترفض إعادة فتح جرحها، الجميع يحملون ما يكفي من الإنسانية ليجعلوا القارئ يعيد التفكير في مفهوم البطولة. هذه القصص، وإن بدت صغيرة، تحمل في قلبها أسئلة أكبر من أي جواب.