عطا شميراني
منذ أن وعيت على الدنيا، ومنذ أن بدأت أتعلم الحروف الأولى، أدركت أن الإنسان قد يُحرم من أشياء كثيرة، لكنه إذا فقد هويته، فقد جزءًا من روحه. لذلك، لم تكن القضية الكردية بالنسبة إليّ مجرد عنوان سياسي أو موضوع أكتب عنه بين الحين والآخر، بل كانت وما تزال قضية عمر، ورسالة حياة، وواجبًا أخلاقيًا أحمله في قلبي قبل أن أحمله في قلمي.
أنا كردي… وأقولها بكل فخر واعتزاز. أعتز بقوميتي، ولغتي، وتاريخ شعبي، وثقافة أجدادي التي صمدت أمام الحروب والمآسي ومحاولات الطمس والإنكار. ولم أشعر يومًا أن الاعتزاز بهويتي يتعارض مع احترام الآخرين، لأن الإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى إلغاء غيره ليؤكد وجوده.
ولدت على أرض كردستان، وكبرت بين جبالها وسهولها، وتعلمت منذ طفولتي أن لهذه الأرض حكاية لا تشبه أي حكاية. ففي كل جبل ذاكرة، وفي كل قرية قصة صمود، وفي كل بيت كردي حكاية انتظار وأمل. ولهذا، عندما أمسكت القلم لأول مرة، لم أفكر في أن أصبح كاتبًا مشهورًا، بل تمنيت أن أكون صوتًا يدافع عن الحقيقة، ويكتب باسم شعب يستحق أن يُسمع صوته.
لكن الطريق إلى ذلك لم يكن سهلًا. فقد أدركت في سن مبكرة أن الدفاع عن قضية عادلة لا يكفيه الإيمان وحده، بل يحتاج إلى العلم، والمعرفة، وإتقان أدوات الحوار، والقدرة على مخاطبة الآخرين بلغتهم.
وهنا تعود بي الذاكرة إلى أجمل سنوات الطفولة، إلى تلك المعلمة في المرحلة الابتدائية التي ما زلت أذكر فضلها حتى اليوم. كانت ترى في ذلك الطفل الكردي شغفًا بالعلم، وكانت تشجعني باستمرار على إتقان اللغة العربية. لم تكن تقدمها لي بوصفها لغة غريبة، بل باعتبارها بابًا واسعًا إلى المعرفة والثقافة والتواصل مع الآخرين.
في ذلك الوقت، لم أكن أدرك أن كلماتها البسيطة سترافقني طوال حياتي. ولم تكن هي تعلم أن تشجيعها لذلك الطفل سيصنع منه كاتبًا يستخدم اللغة العربية للدفاع عن كردستان، وعن حقوق شعبه، وعن عدالة قضيته.
لهذا أقول لها اليوم، بكل امتنان: شكرًا لكِ. لقد منحتِني هدية لا تُقدَّر بثمن. علمتِني لغة استطعت من خلالها أن أخاطب ملايين القراء، وأن أوصل صوت شعبي إلى أماكن لم تكن تصل إليها لغتنا الكردية. لم تطلبي مني يومًا أن أنسى لغتي الأم، ولم أشعر أبدًا أن تعلم العربية يعني التخلي عن كرديتي، بل كان العكس تمامًا.
لقد بقيت كرديًا كما كنت، بل أصبحت أكثر قدرة على الدفاع عن هويتي وقضية شعبي، لأنني امتلكت لغة أخرى أوصل بها رسالتي إلى من لا يعرف شيئًا عن كردستان، أو يعرف عنها صورة ناقصة أو مشوهة.
طوال سنوات عملي في الصحافة والكتابة، كتبت مئات المقالات باللغة العربية. كتبت عن تاريخ الكرد، وعن حضارة كردستان، وعن المآسي التي تعرض لها شعبنا، وعن الأنفال وحلبجة، وعن البيشمركة، وعن أحلام الأطفال الذين يتطلعون إلى مستقبل أكثر عدلًا. كما كتبت عن التعايش، والسلام، وأهمية الحوار بين الشعوب، لأنني كنت وما زلت أؤمن بأن الحقيقة تصل إلى القلوب بالكلمة الصادقة، لا بالصراخ.
لم أستخدم العربية يومًا للإساءة إلى شعب أو للازدراء بأمة، وإنما استخدمتها لأقول: نحن هنا… نحن شعب له لغة، وتاريخ، وهوية، ونريد أن نعيش بحرية وكرامة، مثل سائر شعوب العالم.
لقد تعلمت أن اللغات ليست أسوارًا تفصل بين البشر، بل جسورًا تقربهم من بعضهم. وأن الكاتب الحقيقي لا يخاف من تعلم لغة جديدة، لأن كل لغة يكتسبها تمنحه نافذة جديدة يرى منها العالم. أما هويته، فهي تسكن قلبه ووجدانه، ولا يمكن أن تنتزعها لغة أو ثقافة أخرى.
كم هو جميل أن يكتب الإنسان بلغته الأم، ثم يكتب بلغة أخرى ليعرّف العالم بقضيته. وكم هو مؤلم أن تتحول اللغة، التي خُلقت للتواصل، إلى أداة لنشر الكراهية، بينما يمكن أن تكون وسيلة لبناء الاحترام والتفاهم بين الشعوب.
لقد اخترت أن يكون قلمي في خدمة الحقيقة. ربما أخطئ في اجتهاداتي السياسية، وربما يختلف معي البعض في الرأي، لكنني لم أكتب يومًا طمعًا في منصب، أو بحثًا عن منفعة، أو سعيًا وراء مكسب شخصي. كتبت لأنني مؤمن بقضية شعبي، ولأنني أرى أن الكلمة الحرة مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا.
ولذلك، فإن كل مقال أكتبه، وكل كلمة أخطها، أشعر بأنها دين في عنقي تجاه كردستان، وتجاه الأجيال القادمة التي تستحق أن تعرف تاريخها، وأن تفخر بلغتها، وأن تؤمن بأن الدفاع عن الحقوق يبدأ بالعلم، والمعرفة، والكلمة الصادقة.
إنني أؤمن بأن المعلم يستطيع أن يغيّر مصير إنسان. ومعلمتي في المرحلة الابتدائية كانت واحدة من أولئك المعلمين الذين يتركون أثرًا لا يمحوه الزمن. ربما نسيت اسمي، وربما لا تعلم أين وصلت اليوم، لكنها ستبقى حاضرة في ذاكرتي، لأن فضلها كان بداية طريق طويل مع القراءة والكتابة، ومع اللغة العربية التي أصبحت نافذتي إلى العالم، ووسيلتي للدفاع عن كردستان.
وسأظل، ما حييت، أكتب من أجل وطني، وأدافع عن أرضه، وأحفظ ذاكرة شعبه، وأتمسك بلغتي الكردية بكل فخر، وأستخدم العربية بكل احترام ومسؤولية، لأنها كانت، وما تزال، الجسر الذي أوصل صوت كردستان إلى ملايين القراء.
نعم… أنا كردي، وسأبقى أعتز بكرديتي ما دمت حيًا. أحب لغتي الكردية لأنها لغة أمي، وأعتز باللغة العربية لأنها اللغة التي تعلمتها على يد معلمة مخلصة، فتحولت إلى نافذتي على العالم، وإلى منبر أدافع من خلاله عن وطني وقضيتي.
وأؤمن أن الكلمة الصادقة لا تعرف حدودًا، وأن القلم الشريف قد يكون أحيانًا أقوى من السلاح، لأنه يحفظ ذاكرة الشعوب، ويدافع عن الحقيقة، ويورث الأجيال إيمانًا بأن الدفاع عن الوطن ليس موقفًا عابرًا، بل رسالة عمر، وشرف لا ينتهي.