التآخي الإنساني جذور ثقافية وأفاق روحية

نوري جاسم

في عالمٍ يموج بالصراعات والتحولات، تبقى حاجة الإنسان إلى التآخي والعيش المشترك أعمق من أي وقت مضى. فالمجتمعات، مهما اختلفت ألسنتها وألوانها ودياناتها، تشترك في جذر واحد هو الفطرة الإنسانية التي تميل إلى الخير، والتعاون، وصناعة المعنى. الثقافة تُهذّب هذا الميل، والاجتماع يفعّله، والروحانية تمنحه البعد الذي يربط الأرض بالسماء. وفي ظلّ ما يعيشه العراق والمنطقة من تحديات سياسية واجتماعية، يصبح التآخي شعارًا مثاليًا، ومشروعًا واقعيًا لبقاء الأمة وصون إنسانيتها، والثقافة جسر للتواصل الإنساني.
وهي ليست مجرد تراكم للكتب، والفنون، والطقوس، بل هي منظومة قيمية تعبّر عن نظرة الإنسان للعالم. وفي العراق، بما يحمله من تنوع قومي وديني ومذهبي، حيث شكّلت الثقافة المشتركة عبر القرون نسيجًا متينًا جمع الكرد والعرب والتركمان والآشوريين وسائر المكوّنات. ولقد كان المقهى الشعبي، والأغنية التراثية، والحكاية المتوارثة، مساحات لقاء لا يهم فيها الأصل أو اللهجة، بل المعنى الذي يلمس القلوب. لكن هذا الجسر الثقافي، إذا لم يُصن ويُنمَّ، يتعرض للتآكل أمام تيارات الانغلاق أو موجات التغريب المبتورة عن الجذور. من هنا تبرز الحاجة إلى مشاريع ثقافية جادة، تعيد وصل الأجيال الجديدة بتراثها، وتمنحها في الوقت نفسه أدوات الانفتاح على العالم. والاجتماع فنّ للعيش المشترك، ولا يتحقق بالخطابات وحدها، بل بفنّ يومي يمارسه الأفراد والمؤسسات. في التجربة العراقية، حين التقت الأحياء المتجاورة في الأعياد، وتشارك الناس الأفراح والأحزان، كان ذلك بمثابة حصانة مجتمعية ضد الفتن. ولكن الحاضر يفرض تحديات جديدة، المدن تكبر، الروابط التقليدية تضعف، والتقنيات الحديثة تُدخل الناس في عوالم افتراضية قد تعزلهم عن محيطهم. وهنا يصبح لواجب المثقف والمصلح الاجتماعي دور مضاعف، ليس فقط في نقد الواقع، بل في خلق مبادرات عملية، من نوادٍ ثقافية، وحملات تضامن، وأنشطة تطوعية، إلى مساحات حوار تُعطي المختلفين فرصة لرؤية إنسانية بعضهم البعض.

والروحانية الحقة قوة جامعة بمفهومها الإنساني الواسع، وهي التي تذكّر الإنسان بأنه ليس كائن حي اقتصادي أو سياسي، بل هو كائن يبحث عن معنى أعمق لوجوده. وفي العراق، كان للتصوف والتوجهات الروحية أثر بالغ في تهذيب العلاقات بين الناس، إذ جمعت الزوايا والتكايا مختلف القوميات تحت سقف الذكر والخدمة. كان الشيخ والمريد، رغم اختلاف أصولهم، إخوة في طريق المحبة.
لكن المطلوب اليوم هو أن تتجدد هذه الروحانية لتخاطب العصر: أن تستخدم وسائل الإعلام الحديثة، وأن تقدّم خطابًا يجمع بين صفاء القلب ووعي العقل. والتآخي مشروع وطني وإنساني، وهو قيمة أخلاقية، واستراتيجية. فالمجتمعات التي تزرع الانقسام تحصد الفوضى، بينما التي تحرس التآخي تجني الاستقرار والنهوض. وفي السياق العراقي، يمكن أن يصبح التآخي مشروعًا وطنيًا من خلال:

1. التربية: تضمين المناهج الدراسية مواد تعرّف الأطفال بتاريخ التعددية العراقية، وتعلّمهم احترام الآخر.

2. الإعلام: إنتاج برامج ومسلسلات توثق قصص التعايش بين المكوّنات.

3. الأنشطة الميدانية: إقامة مهرجانات تجمع الفن الشعبي من مختلف المكوّنات في فضاء واحد.

4. القانون: حماية حرية المعتقد وضمان المساواة في الحقوق والواجبات.

بين الماضي والحاضر والمستقبل التاريخ العراقي مليء بمحطات من التآخي الفعلي، حين وقف أبناء المكوّنات المختلفة صفًا واحدًا في مواجهة التهديدات الخارجية أو الكوارث الطبيعية. هذا الماضي يجب أن يُروى، كدليل عملي على أن الوحدة ليست خيالًا. أما الحاضر والمستقبل، فهو رهن بقدرتنا على أن نكون أوفياء لهذه القيم، وفي الوقت نفسه مبدعين في تجديدها بما يناسب متغيرات العصر.

إننا إذا أردنا عراقًا قويًا، فعلينا أن نبدأ من الإنسان، وأن نعيد إليه ثقته بأن جاره شريك في الحياة لا خصمًا فيها، والتآخي الإنساني، حين يترسخ في الثقافة، ويُمارَس في الاجتماع، ويستمد روحه من القيم الروحية، يتحول من فكرة نبيلة إلى واقع حيّ.

إنه دعوة مفتوحة لكل عراقي، ولكل إنسان، أن يرى في الآخر مرآة لذاته، وأن يدرك أن الاختلاف ليس لعنة بل هدية، وأن التنوع ليس تهديدًا بل مصدر قوة، وقد نعيش في زمن تتنازع فيه الأصوات وتتصارع المصالح، لكن صوت الأخوة الصادقة يظل أقدر على اختراق الجدران، والوصول إلى القلوب. ومن أرض الرافدين، حيث تعانقت ضفاف دجلة والفرات منذ آلاف السنين، يمكن أن ينطلق نموذج للتآخي يكون رسالة أمل للعالم بأسره.

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما …

قد يعجبك ايضا