محمد علي محيي الدين
في صباح تموزيٍّ من عام 1964، ولدت الحروف في قلب طفل اسمه عامر جابر راضي الجشعمي، وولدت معها نزعة مبكرة إلى التأمل، وإلى الاستماع لما لا يُقال، وإلى النظر في ما هو خلف اللغة. في ضواحي الحلة، حيث تمتزج الأرض بالأسطورة، والنخلة بالحرف، نما الشاعر الذي سيُعرف لاحقًا باسم عامر الجشعمي، واحدًا من أولئك الذين يمشون في هامش الضوء، ليكتبوا للعتمة ما تخبئه من جمال وغصة.

لم تكن بدايته الأدبية ترفًا، بل نزوعًا داخليًا إلى ما يسكِّن الروح القلقة. نشر أولى قصائده الفصيحة عام 1979 في صحيفة الراصد البغدادية، وهو لم يزل بعدُ في مطالع الشباب، ثم راحت كلماته تجد طريقها في صحف العراق المختلفة، كما لو كانت تبحث عن قرائها واحدًا واحدًا.
ما بين الفصحى والشعبي… شاعر يحمل وجهين ونبضًا واحدًا
لم تكن القصيدة عند عامر الجشعمي ميدانًا مغلقًا، بل أرضًا تتعدد فيها الأصوات، وتتشكل الرؤى. كتب الشعر الفصيح بتمكّن من العروض ومخيلة نضِرة، وكتب الشعر الشعبي بإحساس صادق، لا يصطنع لهجة ولا يركب موجة. كان يرى في الشعبي لسان الأرض، وفي الفصيح روح الأفق، فوحَّد بينهما بموهبة فطرية وصدق تعبيري نادر.
وعندما كتب القصة القصيرة في ثمانينات القرن الماضي، لم يتخلَّ عن لغته الشعرية، بل حملها معه كهمسٍ خفيٍّ ينساب بين السطور، وفيها عبر عن انشغالات الجيل العراقي المضغوط بالحروب والتحولات، الرافض للصمت والمساومة.
المحرر والباحث… حين يتسع الشاعر للحرف في وجوهه كلّها
بعد سقوط النظام، شارك مع الشاعر الراحل محمد الخالدي في إصدار مجلة السنبلة النجفية، وتولى إدارة تحريرها. في تلك التجربة التحريرية، ظهر وجهه الآخر: الباحث عن الأدب لا في النصوص فحسب، بل في السياقات والتجارب والاتجاهات. كتب الدراسات النقدية، وقرأ الروايات العربية بعين تمزج بين الحس الجمالي والدقة التحليلية، فكتب عن واسيني الأعرج، وإبراهيم الكوني، وعباس بيضون وغيرهم.
كما قدّم قراءات عميقة لشعراء الحلة وأدباءها، فجاءت نصوصه بمثابة إضاءة وفاء، لا تخلو من رؤية نقدية، ولا تغرق في المجاملة.
لم يكن عامر الجشعمي باحثًا أكاديميًا بالمعنى الرسمي، لكنه كان مثقفًا ، نذر وقته للكتابة، وللتوثيق، وللإصغاء لما تقوله التجارب الإبداعية من خلف صمتها.
آراء النقّاد فيه: الحرف حين يُكتب من الداخل
في كتابه أدباء وكتّاب بابل المعاصرون، وصفه الدكتور عبد علي عوض بأنه: “شاعر يتنقل بين الضفاف الأدبية بخفة الطائر، لا يثقل نصوصه بالتنظير، بل يزرع فيها التجربة دفعة واحدة، كأنه يكتب سيرة الأرض من فمها مباشرة”.
أما الكاتب محمد علي محيي الدين فقد ترجم له في كتابه اتحاد أدباء وكتاب بابل – النشأة والأعضاء، وقال عنه في أحد اللقاءات:” عامر الجشعمي يُشبه مدينته الحلة: متواضع في الحضور، عميق في الجذور، لا يرفع صوته، لكنه إذا كتب، أصغت الحروف لما يقول ويكتب القصيدة كما يكتب الرسالة، لا يُراهن على المعاجم، بل على الجرح، وعلى الإحساس العابر الذي يتحوّل معه إلى رؤيا.”
في المهرجانات… صوت لا يتكلّف الخطابة
شارك عامر الجشعمي في العديد من المهرجانات الشعرية والأدبية، لكنه لم يكن شاعر مهرجانات بالمفهوم الدعائي، بل ظلَّ مخلصًا للقصيدة أكثر من المنبر. لا يُجيد المباهاة، ولا يُجامل الساحة، بل يكتب كما يُصلّي: بصمت، وبإيمان، وبدون انتظار.
الشاعر الذي ما زال يهمس لنا
عامر الجشعمي ليس مجرد شاعرٍ كتب القصيدة أو القصة أو المقال، بل هو وجدانٌ أدبيٌّ يمشي بهدوءٍ في زمن الصخب. لم يكن له مشروعٌ دعائيّ، ولا حارس علاقات، لكنه كتب ما يليق بالمحبة، وما يستحق أن يُقال… هو أحد أولئك الذين يحتفظون بمكانتهم في الذاكرة لا لأنهم ظهروا كثيرًا، بل لأنهم حين ظهروا كانوا صادقين بما يكفي ليبقوا.