محمود عبيد صائغ الحرف وناقد الأصوات الصامتة

محمد علي محيي الدين

في قلب قضاء المحاويل، وفي صباح السادس من نيسان عام 1960، أبصر النور فتى قُدّر له أن يكون من أولئك الذين لا تلمع أسماؤهم بالبهرجة، بل تتوهج بصمتٍ داخل النص، وتضيء المكتبة النقدية بأناة لا يعرفها إلا المخلصون للفكر والمعنى. ذلك الفتى هو محمود عبيد حسين اليساري، الذي سيصير لاحقًا ناقدًا حاذقًا، يُحسن الإصغاء لصوت اللغة، كما لو كانت كائنًا ينبض خلف الحروف.
نشأ عبيد في مدينته الوادعة، وأكمل دراسته الأولية فيها، قبل أن يلتحق بكلية التربية في جامعة بغداد، قسم اللغة العربية، ويتخرج عام 1978، في زمن كان فيه العراق يغلي بالأفكار والحروب والصراعات، لكنّ محمودًا لم يستسلم لدوامات الخارج، بل اختار أن ينصت لدوامة أخرى أكثر عمقًا: دوامة الحرف. تابع دراسته وحصل على شهادة الماجستير في اللغة العربية من جامعة كليمنتس، ليبدأ رحلته الطويلة مع التعليم، التي امتدت حتى إحالته على التقاعد، لكنه لم يتقاعد من الفكر، ولا من محبة اللغة.

ناقدٌ من طراز خاص، لم ينشغل بالصيحات النظرية العابرة، بل غاص في تفاصيل دقيقة جعلته يضع بصمته في حقلٍ قلّ من يخوضه: النقد الصوتي. بدا مشروعه أشبه بمحاولة لفكّ الشيفرة السرية بين المعنى والمبنى، بين الموسيقى والخطاب، بين النَفَس والحرف. وقدّم في هذا المسار كتبًا لافتة، منها:
الموالاة الصوتية في القص – دراسة صوتية.
صوتية الخطاب والحوار في القص اليوسفي.
الهمس والجهر بين الخطاب والحوار في القصص اليوسفي.
مختصر معجمي للألفاظ والمصطلحات الصوتية واللونية.

هذه المؤلفات لم تكن مجرد دراسات لغوية تقليدية، بل كانت تحليلاً معمّقًا لبنية اللغة في سياقها القصصي، واستكشافًا للعلاقة السرية بين الصوت والدلالة، بين الجهر والوجدان. ومن قرأه، أدرك أنه ناقد لا يبحث عن النجومية، بل عن الحقيقة، ولا يكتب لينافس، بل ليضيء.
لم تقتصر مؤلفاته على الجانب الصوتي، فقد كتب أيضًا في التاريخ التربوي والاجتماعي، فصدرت له كتب مثل درر تربوية ولمحات من تأريخ المحاويل، وكتاب ترويات الذي يقدّم فيه حكايا المكان والذاكرة، وكأنه يريد أن يحفظ مدينته من النسيان، ويرفعها من الهامش إلى قلب المتن الثقافي.
كان لمحمود عبيد حضورٌ مشهود في الوسط الثقافي، من أماسي اتحاد أدباء وكتاب بابل، إلى منتدى المحاويل الثقافي الذي كان أحد مؤسسيه ورئيسه لأعوام طويلة (1995-2004). لم يكن حضوره مجرد مشاركة، بل كان فاعلية تُثري وتُضيء، فقد كان صوتًا هادئًا لكنه نافذ، ناقدًا لا يسعى لتجريح النص، بل لاستخراج كنوزه المخبّأة.

وقد حظي بتوثيق مهم في عدد من الكتب الموسوعية التي أرّخت لحركة الأدب والنقد في العراق، فترجم له الدكتور عبد الرضا عوض في أدباء وكتاب بابل المعاصرون، وذكره الدكتور صباح نوري المرزوك في أكثر من عمل، منها النهضة الفكرية في الحلة وحلة بابل أو بغداد الصغرى والمستدرك على معجم المؤلفين العراقيين، كما وثّقه الدكتور سعد الحداد في موسوعة أعلام الحلة، مما يؤكد مكانته في خارطة الأدب العراقي.
يرى النقاد أن عبيد من الذين أعادوا الاعتبار للغة في زمن فُتن فيه الكثيرون بالصورة على حساب الصوت، وبالتأويل الفضفاض على حساب البنية الدقيقة. إنه من مدرسة الباحثين عن الجوهر، الذين لا يُغريهم السطح، بل يغوصون حتى الأعماق. يقول عنه أحدهم: “إنه ناقد يكتب كما يُصلي، بخشوع، لا يهوى التهريج ولا يدّعي الاكتشاف، لكنه ما أن يكتب حتى تشعر أن النص قد استقر في مكانه الصحيح”.
في زمن كثرت فيه العناوين وقلّت القيمة، يظل محمود عبيد من أولئك الذين يصنعون مجدهم بصمت، ويتركون أثرهم في كل سطر يكتبونه، وفي كل فكرة يشعلونها في عقل قارئ متأمل. هو ناقدٌ لم يخذل النص، ولم يساوم على دقته، وظل طيلة مسيرته وفيًّا لذلك الحرف الذي آمن به، وبقي يحرسه بعين العارف، وقلب المحب.

قد يعجبك ايضا