محمد محسن جواد الشاعر الذي يضيء عتمة الحرمان بصوت الكلمات

محمد علي محيي الدين

في مدينة المسيب، حيث يتقاطع عبق التاريخ مع نبض الفرات، ولد الشاعر محمد محسن جواد عام 1994، لينشأ بين نكهة الطين ووهج المعرفة، ويتغذى على جمالية اللغة في بيئة تغزل الحياة بالشعر وتخطّ الذاكرة بالقصائد. هناك، في تلك المدينة المتكئة على أسرار الماضي، تفتّحت موهبة هذا الفتى الذي ما لبث أن شقّ دربه بثبات صوب منصات الشعر وجماهيره، حاملًا همّ الكلمة الصادقة، وسعيًا لتكريس القصيدة مرآةً تعكس وجع الواقع وتطلعات الإنسان.
أكمل دراسته في كلية التربية الأساسية، قسم التاريخ، بجامعة بابل، ثم ارتحل شرقًا ليغرف من معين الفكر الإسلامي في جامعة الأديان والمذاهب بإيران، حيث نال شهادة الماجستير سنة 2023. لم يكن التاريخ عنده علمًا أكاديميًا فحسب، بل مرآةً أخرى يرى من خلالها انكسارات الشعوب وهزائم الروح، ومنجمًا ينهل منه رموزه ومآسيه، ليعيد صوغها في نصوصه الشعرية بأسلوب معاصر يمزج بين الرؤية الفكرية والبعد الإنساني.

أصدر ديوانه الأول الموسوم “حتى لا تطير الصدف” عن دار أبجد سنة 2022، وكان هذا الديوان إيذانًا بولادة صوت شعري مغاير، صوتٍ يحمل أناه المتألمة والمتأملة، ويعلن انحيازه للحق، ورفضه لكل أشكال الزيف الاجتماعي والسياسي. شارك محمد محسن في مهرجانات أدبية داخل العراق وخارجه، منها مهرجان بابل سنة 2019، ومهرجانات أقيمت في قم وطهران بتنظيم من مؤسسة الشعر الإيراني. وكان حضوره في الندوات الثقافية في بابل وبغداد ومؤسسة اليونسكو وجمعية الثقافة بيوم الشعر العالمي بمثابة شهادة أخرى على انغماسه في الهم الثقافي العام وتواصله مع الفضاء الشعري العربي والدولي.
نشر نتاجه في عدد من الصحف والمجلات، منها جريدة الصباح العراقية والقبس الكويتية، وكان حضوره في الوسط الأدبي فاعلًا وملحوظًا، حيث تميز بأسلوب شعري شفاف، يقف على حدود الفكرة بحذر، ثم ينقضّ عليها بلغة مشبعة بالمجاز والاستعارة والدهشة.

وقد كتب عنه الناقد غانم عمران المعموري دراسة نقدية سلط فيها الضوء على اشتغال الشاعر على الموجودات الحسيّة والبصريّة، مؤكّدًا أن محمد محسن لا يكتب من فراغ، بل من تربة مشبعة بالتجربة والتأمل، إذ يلتقط التفاصيل المهملة، ويحوّلها إلى صور شعرية تثير الأسئلة وتفتح نوافذ الرؤية. فهو “مثقف مُتعلم ثائر ومتمرد على الواقع الاجتماعي المُزيّف”، بحسب تعبير المعموري، الذي يرى أن الشاعر يحمل رسالة احتجاج ضد الفساد، ويقوم بتعرية الزيف بإيمان صادق بدور الكلمة.

ومن بين أبرز قصائده، كانت قصيدة “المحروم”، التي أثارت انتباه النقاد، واعتبروها نصًا متعدد الطبقات، يتجاوز المعنى اللغوي لكلمة “المحروم” كما يرد في القواميس، ليُحيلها إلى رمز وجودي، وصرخة احتجاج تتخذ من القصيدة سلاحًا. لقد رأى المعموري في هذا العنوان بؤرة نصيّة تومض في عتمة الواقع، وتحفّز القارئ على الدخول في عالم النص، بحثًا عن تأويلات ودلالات تتقاطع فيها الحسية بالتجريد، والذات بالجمع.

وقد كرّم البيت الثقافي في المسيب الشاعر محمد محسن، كما نال جائزة مسابقة نزهو التي أقيمت في أربيل، وهذه الجوائز ليست سوى إيماءة من المؤسسة الثقافية إلى شاعرٍ بدأ طريقه بثقة، وواصل مشروعه الأدبي بانتباه وصدق.

إنّ محمد محسن، كما يراه متابعوه، ليس مجرد شاعر يكتب القصيدة العمودية أو التفعيلة أو النثرية، بل هو صوتٌ ينحت من الوجع مشروعًا شعريًا متكاملًا، يربط ما بين التاريخ والواقع، ما بين الحلم واليقظة، وما بين الذات الجمعية والفردية. إنه شاعر لا يكتفي بأن يشجب الفساد، بل يصوغ احتجاجه بأنامل اللغة، ويصعد درجات الشعر حاملًا جراح الناس وأحلامهم.

فهل نبالغ إذا قلنا إن محمد محسن، رغم حداثة تجربته، يقف في طابور الشعراء الذين يكتبون من موقع الالتزام الإنساني والثقافي، لا من موقع الاستعراض اللغوي أو التزويق الفني؟ لعل السنوات القادمة كفيلة بأن تجيب، ولكن ما نراه اليوم هو شاعر يعرف جيدًا ماذا يريد، وكيف يقول ما يريد، ومتى يُطلق صوته في زمن الصمت.

قد يعجبك ايضا