حيدر الخفاجي الشاعر الذي تحدّث الحجرُ على لسانه

محمد علي محيي الدين

في بابل، المدينة التي استيقظت فيها الأساطير من سباتها لتخطَّ التاريخ على طينها المبلول بالحكايات، ولد الشاعر حيدر هادي الخفاجي يوم 22 نيسان عام 1966، ليكون ابن الماء واللغة، المهندس الذي شادَ بالجداولِ قناطرَ من شعر، وراكمَ من الحنين أعمدةً من الكلام، تمسكُ بتراب الوطن مثل تمثالٍ يأبى أن يتقادم.

في هذه المدينة التي ترضع أبناءها الشعر من فم الفرات، شبَّ حيدر الخفاجي وفي يده قلم، وفي قلبه زوابع. تخرّج من كلية الهندسة – جامعة بابل عام 1988 في تخصص الموارد المائية، لكنه لم يركن إلى خرائط الأنهار وحدها، بل أطلق على ضفاف دفاتره مجلة «ك هـ ٨٦» حين كان لا يزال طالبًا، فكان رئيس تحريرٍ ينحت من الفكرة حجرًا، ومن الحجر نافذة تطل على شمس الإبداع.

كتب الشعر العمودي، مثل من سبقه إلى خيمة الخليل، وكتب التفعيلة، مثل من تبع السيّاب إلى مدن الرماد والمطر، وكتب الشعبي، ليعبر إلى قلب الناس دون بوابات. لم يترك ضفة إلا وزرع فيها زهرة من قصيدة، فامتلأت بها صحف العراق الكبرى كـ”الثورة”، و”القادسية”، و”طريق الشعب”، و”الصباح”، كما نشر في مجلة اليمامة السعودية، وكان له أثر في النقد التشكيلي والروائي، ما جعله شاعرًا يتقاطع فيه الإحساس مع البصر، والهندسة مع الرؤيا، والقصيدة مع اللوحة.

هو شاعر، لكنه أيضًا مؤسس. في الغربة الأردنية التي لجأ إليها عام 2006، استقر وهو يحمل العراق في جيبه كتميمة، فأسس “گاليري بابل للفنون” في عمّان، وكان بذلك ظلًّا لتمثال الشعر، يمشي على قدمين بين الرسم والنحت والشعر، جامعًا بين أرواح الفنون التي تغترب ولا تموت.
في قصيدته «ممّا قاله التمثال»، يقف الخفاجي ليس كشاعرٍ يروي بل كشاعرٍ يُستَروى، حيث ينقلب التمثال من صامت إلى ناطق، ومن حجر إلى نبيٍّ يحرس شط الحلة بقلبٍ جريح:
وقفَ الشاعرُ في الشارعِ
ينظرُ للناسِ يناديهُمْ
لكنْ.. لا أحدٌ يسمعُهُ
فيردُّ عليهْ
إنه لا يتحدث عن نفسه فقط، بل عن وطنٍ بأسره صار فيه الشعر تمثالًا، والتمثال شاعرًا، وصار النداء صدى بلا مجيب، والدمع لغة بلا ترجمان. وبينما يمرُّ الناس ويسألون ساخرين: “كيف لتمثال أن يبكي؟”، ينهض الصوت من أعماق الجماد ليقول:
سلاحيَ شِعرٌ مِنْ قلبي المجروحْ
كلَّ مساءٍ
يلتمُّ بقربي الناسْ
وانا كلَّ مساءٍ (انخي) (العباس)…
في هذا المشهد، يُظهر الخفاجي قدرة شعرية فريدة على إعادة الروح إلى الجمادات، وتحميل المفردة مشاعر أمٍّ ثكلى تبحث عن ولدها وسط وطنٍ مُغتصَب:
ها أنذا قدْ جئتُ واحمِلُ
كلَّ دموعِ ثكالى وطنٍ يحكمُهُ الانجاسْ
ممنْ يحكمُ باسمِ اللهِ
ومنْ يسمحُ بالقتلِ
ويمنعُ عنّا الكاسْ
هذه القصيدة وحدها كفيلة بأن تضعه في مصاف شعراء الرمز والنبوءة والاحتجاج، فهي ليست صرخة في فراغ، بل مرآة مشروخة تعكس بشاعة ما جرى في وطنٍ أُغتيلت فيه العدالة باسم الإله.

آراء النقاد فيه
يرى النقاد في حيدر الخفاجي شاعرًا يمتلك حساسية خاصة في التقاط المأساة اليومية وتحويلها إلى صور شعرية نابضة بالحياة. فقد وصفه بعضهم بأنه “شاعر التمثال الناطق”، لأنه يملك القدرة على بثّ الروح في الرموز الجامدة. وأشاد آخرون بنزوعه الإنساني، حيث لا تغيب عن قصائده هموم الوطن ولا تفتقد إلى حرارة الإيمان العميق بالقيم، رغم انكساراتها في الواقع.

كما لاحظ نقّاد التقاء الشعر والفن التشكيلي في تجربته، فرأوا أن له عين رسّام، وأذن موسيقي، وقلب شاعر، فاختلطت ألوان النحت بلوحات الحنين، وتقاطعت الجملة الشعرية عنده مع الخط الهندسي والدقة الفنية. ومنهم من قارن تجربته بأسماء عربية كبيرة كتجارب أمل دنقل في تسخير الرموز، ومظفر النواب في الاحتجاج النازف، لكنه بقي محافظًا على نبرته الخاصة التي تستلهم من بابل رنينها، ومن المهجر وجعها، ومن الروح صلابتها.

وحيدر الخفاجي ليس شاعرًا فقط، بل هو مشروع ثقافي متكامل، ظلّ يكتب رغم الصمت، وينشر رغم القيود، ويحلم رغم الخيبات. هو جسد التمثال الذي نطق، والشاعر موفق محمد الذي ما زال يقف في شارع الحلة، يرفع صورة ولده المفقود بيد، ويلوّح بالألم باليد الأخرى. وحده الشعر يستطيع أن يقول كل شيء، ووحده الخفاجي ما زال يؤمن أن القصيدة لا تموت، بل تبكي، وتشتكي، وتخطب، وتصلي… على أرواحنا المصلوبة.

قد يعجبك ايضا