نوري جاسم
في دروب العارفين المتشعبة، حيث يتماهى الجسد مع الروح، ويغدو الظاهر مرآة للباطن، ينبثق الكشكول، لا كوعاء من خشب أو نحاس أو فضة، بل كرمز حيّ، نابض، يحمل في جوفه أسرار الرحلة الإلهية، ويكون شاهداً على مسيرة لا تُقاس بالأميال، بل بالأنفاس، والكشكول عند الصوفي ليس شيئًا يُرى بالعين فقط، بل يُحسّ بالقلب. هو قلب ثانٍ يُعلّق على الكتف، يحمل فيه طعامًا أو شرابًا، ويحمل فيه أيضاً زادًا من نوع آخر حكمة، سرّ، دمعٌ ناشف، وسجدة لم تزل تحمل دفء المناجاة. فيه بقايا وردٍ ليلي، وأثر من نفحات الحضرة، وقصاصات من أدعية، ونظرات مبللة بالنور، وعلى جوانب بعض الكشاكيل، نُقشت آيات من كتاب الله، وأسماء من أهل بيت النبوة، وأدعية تفوح منها أنفاس القرب، ومن بينها قوله تعالى ﴿وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: 79] وكأن الكشكول هو تلك السفينة الصامتة التي تقلّ المسافر إلى الحق، من ضجيج الدنيا إلى سكون الملكوت، من ظاهر يخدع إلى باطن يصدُق، من “ما لي غيرك يا الله” إلى “ما معي إلا أنت”. ولم يكن الكشكول في حضرة العارفين وعاءً يُمدّ للاستجداء، بل كان مخزنًا للسرّ، ومرآة للطريق، ورسالة بليغة في فن الزهد والتجرد، فلم تُرصّع بعض الكشاكيل بالفضة وتُزخرف بالخط الروحي عبثًا، بل لأنها أوعية لفيضٍ روحيٍّ يتجاوز المادة، وفي الطريقة العلية القادرية الكسنزانية، ظل الكشكول شاهدًا حيًّا على مسيرة الروح نحو الله، تُحمل لا للتفاخر، بل للتذكير بالعهد، وتُورّث لا للذكرى فقط، بل لتستمر الرسالة، وفيه ورد الفجر، وسبحة الذكر، ومفتاح الطريق، وإبرة وخيط لرتق ثوبٍ أو جَرحٍ روحي، وربما بعض التمرات الباقية من زاد المحبة، وكان الكشكول عندهم ليس زينة، بل لغة صامتة، يقول لمن رآه: أنا لا أملك شيئًا من الدنيا، إلا ما يُعينني على المسير إلى ربّي، وبعض الكشاكيل اتخذت شكل القارب، وبعضها هيئة كأس، وبعضها جاء على هيئة حرف “نون”، رمز العلم الإلهي، كأنها تقول: هذا الكشكول هو بداية السطر في كتاب العرفان، أول الحرف في مداد العشق، وأول النداء في سفر الصمت وزخارفه؟ ليست ترفًا، بل مفاتيح… بعضُها يحمل أدعية تُهدي إلى مقام القرب، وبعضها آيات عن الفناء والبقاء، وبعضها شذرات من عشق الهيام الإلهي، فصار الكشكول جمعًا بين فقر الظاهر وغنى المعنى، بين زهدٍ بلا رياء، وغنى بلا دنيا، وحين تدخل المتاحف الإسلامية، ترى نماذج كشاكيل محفوظة، نذورًا عُلقّت عند العتبات، أو تُركت بعد عمرٍ طويل من الذكر والبكاء. كل واحد منها سيرة صوفية عرفانية تلقينيًة بلا كلمات، سِفرٌ من الضوء، لا يُقرأ إلا بالبصيرة، لا بالحبر، والكشكول، في حقيقته، ليس أداة، بل مقام. مقام الزهد والعشق، مقام التخفف والصدق، مقام الإشارة لمن أراد الله، وهو كما وصفه بعض العارفين:
“صندوق السر، سجلّ الرحلة، دليلُ الفقير، وبوصلة السالك.” وفيه ما يُلقى من السماء إلى القلب، وما يُستضاء به في عتمة الدروب، وما يُورَّث كبركة وذاكرة لمن جاء بعد. لا عجب أن يُدفن الصوفي مع كشكوله، أو أن يوصي به لمريده، فقد ذاب فيه شيء من روحه، وامتلأ بأثمن ما جمع في حياته: صدق النية، فيا من تبحث عن سرّ الطريق، لا تنظر إلى الكشكول بعينٍ مادية، بل تأمل فيه بعين القلب…
فهو البحر، وهو السفينة، وهو المفتاح، وهو السِّر، نداءٌ صامت في سفر لا ينتهي إلا عند وجه الله الكريم…..
اللهم صلّ على سيدنا محمد، الوصفِ والوحيِ والرسالة، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا ..