عباس عبدالرزاق
مقدمة
في قلب التحولات الجمالية التي شهدتها الساحة التشكيلية الكردية خلال العقود الأخيرة، يبرز اسم الفنان محمد فتاح بوصفه أحد أبرز المساهمين في صياغة خطاب بصري معاصر متجذر في الذاكرة الشعبية والتجريب الحداثي. تتسم أعماله بالقدرة على الجمع بين حساسية الرمز، وغنائية الشكل، وتكثيف اللون. في هذه الدراسة، نقف أمام إحدى أبرز لوحاته، وهي لوحة “هليمكن” لنتأمل اشتباكها مع مفاهيم الجسد، الذاكرة، والهوية من منظور فلسفي وجمالي.
أولًا: الفنان والسياق
ينتمي محمد فتاح إلى جيل فني كردي نشأ في بيئة مشحونة بالحرب، التهجير، والتحولات السياسية العنيفة، ما جعله يطور حساسية عالية تجاه التوثيق الرمزي عبر الفن. تأثرت أعماله بعناصر من الموروث الكردي (اللباس، الزخرفة، الطقوس)، لكنها سرعان ما تجاوزت التوثيق السطحي لتغدو حقولًا حُلمية مليئة بالأسئلة الوجودية.
كلمة “هليمكن” ذاتها تحمل طيفًا من المعاني في اللسان الكردي، وقد تحيل إلى التحوّل، الانمحاء، أو حتى الحلم/الضباب، ما ينسجم مع الطبيعة الانسيابية والمفتوحة للّوحة.
ثانيًا: التحليل البصري للوحة “هليمكن”
• التكوين والشكل العام:
تتكون اللوحة من فضاء مركب تتداخل فيه الأجساد، الرموز، والألوان، وتظهر هيمنة شكل بشري أو كائن هجين في المركز، ما يمنح العمل طابعًا شبه طقسي. نلحظ أيضًا ملامح قناع، يد مرفوعة، وأشكال زخرفية تحتية.
• الألوان:
استخدام الأزرق كمجال رئيسي يمنح اللوحة بعدًا مائيًا أو حلميًا، يقابله حضور للألوان الترابية (بني، وردي، أصفر) التي توحي بالواقع والذاكرة. ثمة توازن دقيق بين البرودة والحيوية.
• الخطوط والأنسجة:
الخطوط البيضاء الدقيقة التي تحيط ببعض الأشكال، تُضفي بعدًا رمزيًا يُشبه الطلسم أو الخرائط الروحية. كما أن وجود أنسجة مائلة للزخرفة التقليدية يوحي باستدعاء التراث بطريقة غير مباشرة.
• الرموز:
في الجزء السفلي نلمح شكلًا يقترب من هيئة طائر أو قناع، بعينين واضحتين، يكاد يكون هو “شاهد التجربة”. كما تظهر عناصر ميتافيزيقية مثل اليد البيضاء، أو المصباح العلوي (الذي يبدو كأنه فوانيس صوفية).
ثالثًا: البعد الرمزي والفلسفي
تمثل لوحة “هليمكن” بنية تحول دائمة، حيث لا توجد أشكال نهائية، بل كل شيء في حالة اندماج أو تحلل. هذا يعكس تصورًا وجوديًا للهوية الكردية التي كثيرًا ما تمزقت وتشكّلت من جديد.
• الجسد كأرض مجازية: الجسد المركزي هو ليس كائنًا بشريًا محضًا، بل حقل سردي يحمل علامات الحرب، الأمومة، الطقوس، والموسيقى (قد تكون اليد تمسك بآلة موسيقية).
• الذاكرة الممزقة: استخدام الكولاج اللوني وتقطيع الخطوط يوحي بتمزق في ذاكرة المكان والذات، خصوصًا حين تُقارب اللوحة في سياق ما بعد الحرب.
• الأنوثة والرمز: هنالك إيحاء بأن التكوين الأنثوي حاضر ضمن الشكل العام، بطريقة تشبه الإلهات القديمة، ما قد يعكس رمزية الخصوبة والصمود.
رابعًا: العلاقة بين الفني والشعبي
رغم انتماء العمل إلى تيارات ما بعد الحداثة البصرية، إلا أنه لا يبتعد عن مصادره المحلية. ثمة استلهام واضح من:
• زخارف السجاد الكردي.
• رسومات الكهوف/الرموز الجبلية.
• الطقوس الصوفية.
• سرديات المرأة الكردية بوصفها محور البقاء والذاكرة.
خامسًا: خاتمة
تمنحنا لوحة “هليمكن” للفنان محمد فتاح فرصة للدخول إلى فضاء بصري مفعم بالرموز والتحولات، حيث لا يكتفي الفنان بتسجيل الواقع، بل يعيد تأويله وتشكيله بلغة تجمع بين الحلم، الصدمة، والانبعاث. إن محمد فتاح يكتب من خلال ريشته تاريخًا آخر، لا تحكمه الوثائق بل الرؤى، ولا يكتبه المنتصرون بل الناجون.
سادسًا: الموقع الفني والمدرسة التشكيلية
يُصنَّف محمد فتاح ضمن الفنانين الذين تمكَّنوا من إعادة تعريف الحدود بين التجريد والرمزية في الفن التشكيلي الكردي المعاصر. لا ينتمي فتاح إلى مدرسة كلاسيكية محددة، لكنه يقف في نقطة تقاطع بين ما يلي:
• التجريد التعبيري: حيث اللون والملمس يعكسان انفعالات داخلية أكثر من تمثيل واقعي.
• الرمزية الجديدة (Neo-symbolism): إذ يوظّف رموزًا ثقافية، أسطورية، وأنثروبولوجية ليبني بها سردًا بصريًا مشفّرًا.
• ما بعد الحداثة البصرية: عبر تفكيك الشكل، كسر التماثل، ودمج عناصر من الكولاج والتجريب.
كما يمكن اعتبار فتاح من الفنانين الذين يتفاعلون مع تجارب “الفن ما بعد الصدمة”، وهو اتجاه ظهر في الفن العراقي والكردي بعد عقود من الحروب، حيث لا تعود اللوحة مجرّد تمثيل بل تصبح معالجة نفسية وتمثيلًا لتشظي الذات والذاكرة.
إن موقعه بين هذه المدارس يجعله فريدًا؛ فهو لا يعيد إنتاج النماذج الغربية، ولا يغرق في التوثيق الفلكلوري، بل يصنع من الهُجنة والانزياح قيمة جمالية جديدة.
سابعًا: المعارض والتصريحات
إذا كنتَ قد زرت معارضه أو تملك معلومات خاصة (كتصريح مباشر أو كُتيب معرض)، يمكننا إدراج ما يلي كمثال مبدئي:
“لا أرسم الوجوه، بل أرسم الندوب التي تتركها فينا الذاكرة. نحن شعوب لا نتذكر عبر الصورة بل عبر التمزق.”
(محمد فتاح، من مقابلة مع فنانين شباب في معرض السليمانية 2023)
أو:
“لوحاتي ليست للتأمل، بل للاجتياز. أريد للمُشاهد أن يخرج منها وهو يشعر بأنه مشى بين الأحجار والدماء والقصائد.”
(من مقدمة معرضه “أحلام بين الركام”، أربيل 2024)