محمد علي محيي الدين
في ضواحي الحلة، المدينة التي تحمل في ترابها صدى الفرات وعبق التأريخ، وُلد حسين بن خليل بن عبد الحسن سنة 1987، ليحمل منذ نعومة أظفاره حكاية شاعر لا يشبه إلا ذاته. من بين أزقة المدينة وحقولها ودفاتر مدارسها، راح ينسج أولى خيوط انتمائه لعالم الحرف. اجتاز مقاعد الدراسة الثانوية بخطى الواثق، ثم اتجه إلى جامعة بابل، حيث تخرج في كلية الإدارة والاقتصاد، قسم المحاسبة، ليجمع في مسيرته بين لغة الأرقام ومجاز القصيدة.

ولم تكن الوظيفة في دوائر الدولة إلا ستارًا شفيفًا يخبئ وراءه الشاعر، الذي ما إن يخلو إلى قلمه حتى تتكشّف في روحه مرايا أخرى، أكثر عمقًا وأشد توهجًا. مارس الكتابة الصحفية وكتب قصائده في الصحف والمجلات العراقية والعربية، كما وجدت نصوصه فضاءً رحبًا في المواقع الإلكترونية.
عضويته في الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين لم تكن بطاقة عبور، بل امتدادًا طبيعيًا لحضوره الإبداعي في المشهد الثقافي. وقد أسس حسين موقع وتريات قصيدة النصر، وكذلك الموسوعة العراقية، ليؤكد أن دوره لا يقتصر على إنتاج النص الشعري، بل يتعداه إلى بناء المنصة التي تحتضن التجربة الشعرية العراقية وتخلّدها.
نشر حسين مجموعة من المؤلفات التي توزعت بين النثر الشعري والهايكو والقصيدة الحرة، منها: رأس تُقدّ به الرغبة (2019)، أشد عودي والفك حولي عن دار وتريات (2019)، وجهة لناي مهزوز عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق (2023)، مرايا وطن، وهي مجموعة مشتركة صدرت عن اتحاد أدباء بابل مجموعة هايكو بعنوان دخان بارد (مخطوطة)، ومخطوطة أخرى بعنوان نرد راقص وسكينة موقوتة.
وقد عبرت نصوصه حدود اللغة، إذ تُرجمت إلى لغات عدّة، منها الإنكليزية والفرنسية والفارسية، فيما تناول تجربته النقدية عدد من النقاد العراقيين والعرب، ونُشرت قراءاتهم في أبرز الصحف والمجلات.
نشر نتاجه في صحيفة الفيحاء، ويظهر حضوره جليًا في المهرجانات الكبرى، حيث شارك في مهرجان المربد لدورتين، ووقف على منابر الهايكو في البصرة، والحبوبي، والجواهري، ليؤكد أن الشعر بالنسبة له ليس ترفًا لغويًا، بل فعلًا وجوديًا وحضورًا في ضمير الوطن.
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتهاوى القيم، يبقى صوت حسين بن خليل واحدًا من الأصوات التي تراهن على الكلمة، وتحفر حضورها في وجدان القارئ لا بالضجيج، بل بالصدق والتماهي مع الوطن والإنسان.
قصيدة “كيف تكونينَ شائكةً كالرماد؟” نص شعري حديث يمتاز بجماليات الصورة، وثراء المعاني، وانسياب موسيقي داخلي. وهي تُجسّد صراعًا داخليًا بين الشاعر وكيان أنثوي/وجودي يمثّل البحر، حيث تمتزج العاطفة بالأسئلة الوجودية، ويظهر الحنين والخذلان والبحث عن المعنى في وجه أنثى/بحر/قدرٍ غامض.
البحر يرمز للأنثى، أو ربما للذات أو المصير، حيث يتخذ صفات متناقضة (ماءٌ عذب، لكنه شائكٌ كالرماد).
ويظهر الصراع الداخلي في عبارات مثل “أنا المتورط في مصادره”، حيث الشاعر يشعر أنه غارق في علاقة أو حالة لا فكاك منها… وتتكرر مفردات الخسارة، الاحتراق، الرمية التي لم تُصِب، الأجنحة التي لم تطِر، وكلها تشير إلى تجارب فاشلة أو أحلام لم تكتمل. ويُكثر الشاعر من الأسئلة دون إجابة، ممّا يعمّق الحيرة والتأمل.
ولغته مجازية عالية ممتلئة بالصور المركبة والرموز، مثل “كنتُ أوقظ الوجهة”, “أُبحر في مراياك”, “الريح تثقب أشرعتها”.. ثم يتنقل النص في اسلوب تأملي حلمي بين الواقع والحلم، بين البحر كواقع مادي وكحالة وجدانية. فيما يغلب على النص الحزن الممزوج بالتأمل والرغبة في الفهم والانعتاق.
اما بنائها الفني فهو يتنقل بين المقاطع بحرية دون التزام سردي، مما يعكس “فلسفة الدوران” التي أشار لها الشاعر. وفيها تكرار الماء/المجداف/البحر: يؤسس لحالة من التماهي بين العاشق والمعشوق، ويُحيل إلى رحلة روحية غير مستقرة.
والخلاصة فالقصيدة تأملٌ شعري في الحب والخذلان والبحث عن الذات، تتوسل صور البحر والرماد والماء لتجسيد علاقة معقدة بين الشاعر والأنثى/الوجود. إنها قصيدة “حيرة شاعر”، يسائل ذاته والكون عبر رموز كثيفة ومجازات حارقة.