أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر
لم تعد الطائرات المسيّرة (الدرون) مجرد أدوات حربية محدودة التأثير كما كانت في بداياتها، بل أصبحت في السنوات الأخيرة جزءًا من أدوات الضغط السياسي والاستراتيجي، خصوصًا حين تُستخدم في ساحات معقدة كالعراق. وإقليم كوردستان تحديدًا بات هدفًا متكررًا لهذا النوع من الاستهداف، دون إعلان رسمي للحرب، ودون أي رد واضح من الحكومة الاتحادية، مما يُثير تساؤلات عن طبيعة هذه الرسائل، ومن يقف خلفها، وما هي غاياتها الحقيقية.
تُستخدم الدرونات كوسيلة توصيل رسائل غير مباشرة لحكومة إقليم كوردستان، فهي تُمثّل تهديدًا صامتًا يعكس اختلال ميزان القوة، وإصرار بعض الجهات على فرض واقع سياسي جديد بالإكراه، لا بالحوار. التحليق المكثف والضربات المحدودة تعني الكثير من الناحية النفسية: لا حماية مطلقة، ولا شراكة مضمونة، والسماء مفتوحة أمام من يمتلك القوة، ويُلوّح بها دون أن يتكلم.
رغم غياب الإعلان الرسمي، إلا أن التحليل الميداني يُشير إلى تورط فصائل مسلحة وبعضها يُعرف بموقفه الرافض لهيكلية الإقليم الفيدرالية. هذه الجهات تمتلك قدرات مسيّرة متطورة، وغالبًا ما تنفذ عملياتها دون مساءلة، مستفيدة من غياب مركزية القرار الأمني في الدولة العراقية، وتعدد القوى الفاعلة داخلها.
أكثر ما يثير القلق هو موقف الحكومة الاتحادية، التي لم تُصدر إدانة صريحة، ولم تُطالب بوقف هذه العمليات، وكأنها تحدث في بلد آخر. الصمت الحكومي هنا لا يمكن تفسيره بالعجز فقط، بل يشي بتواطؤ صامت، أو على الأقل قبول ضمني بسياسة الضغط المتواصل على الإقليم، ضمن استراتيجية إعادة تعريف العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم بالقوة لا بالدستور.
إن استخدام الطائرات المسيّرة ضد إقليم كوردستان ليس مجرد عمل عسكري تقني، بل هو بيان سياسي محمول جوًا، يُحاول أن يعيد رسم ملامح العلاقة بين أربيل وبغداد، لكن خارج إطار القانون والدستور. والسكوت المريب من بغداد لا يخفف من وطأة الطائرات، بل يضاعف أثرها، ويعمّق شعور الإقليم بالعزلة وغياب الحماية الاتحادية.
في ظل هذا الواقع، يبدو أن الحرب لم تُعلن رسميًا، لكنها تُخاض بأدوات جديدة، وأن كوردستان تواجه اليوم خنقًا منظمًا، لا بالصواريخ وحدها، بل بالتجويع المالي، والعزل السياسي، والقصف الجوي الذي لا يعترف حتى بالحدود السيادية للدولة.