طفل كوردي يسأل الدستور: هل كوني من الإقليم يُسقط حقي؟

 

هيام حاجي احمد

أنا طفل كوردي، لا أفهم السياسة، ولا أعرف كيف تُكتب الموازنات أو تُقسّم الثروات بين المركز والإقليم. لكني أفهم جيدًا أن والدي لم يتقاضَ راتبه منذ أشهر، وأن والدتي تقلل من حاجياتنا حتى نتمكن من الاستمرار.

لم أكن طرفًا في أي نزاع سياسي. لم أوقّع اتفاقات نفطية، ولم أعترض على المحكمة الاتحادية. وُلدت في دهوك، في بيت بسيط، وأحب العراق وكوردستان معًا. ومع ذلك، أشعر أن الدولة لا تعترف بي كمواطن، وكأن كوني من الإقليم يجعلني خارج إطار الحقوق.

كيف لي أن أفهم أن الخلاف بين السياسيين هو سبب جوعي؟ هل يُعاقَب الأطفال لأن الكبار فشلوا في التفاهم؟ وهل تُحدّد الجغرافيا قيمة الإنسان وكرامته؟ لقد علّمتني هذه الأزمة السياسة مبكرًا، صرت أقرأ بنود الموازنة بدلًا من القصص المصورة، وأسمع تصريحات المسؤولين بدلًا من أفلام الكارتون. اكتشفت أن الراتب ليس مجرد أجر، بل أداة ضغط، وأن الطفولة في وطني لا تُحمى، بل تُستخدم كورقة تفاوض.

أسأل ببساطة: هل يُحرم طفل من الطعام لأن المركز والإقليم يختلفان على موارد النفط؟ هل من العدل أن تُعلّق رواتب آلاف العائلات لأن الدولة فشلت في إدارة التزاماتها؟ قرأت في الدستور العراقي لعام 2005 أن المواطنين متساوون أمام القانون: المادة 14: تؤكد المساواة وعدم التمييز، المادة 16: تكفل تكافؤ الفرص، المادة 30: تلزم الدولة بضمان العيش الكريم، لا سيما للأطفال، المادة 110: تُحمّل الحكومة الاتحادية مسؤولية السياسة المالية، لكن لا توجد مادة واحدة تجيز استخدام الرواتب كعقوبة جماعية.

رغم ذلك، وفي تصريح رسمي موثّق في كتاب صادر عن وزارة المالية بتاريخ 28 أيار/مايو 2025، قالت وزيرة المالية طيف سامي محمد إن “تعليق الرواتب جاء نتيجة تجاوز الإقليم حصته المقررة في الموازنة الاتحادية (12.67%)”. كما أوردت تقارير صحفية لاحقة عن مصادر حكومية أن “الرواتب أصبحت أداة قانونية للضغط”.فهل الدستور مجرد نصوص تُطبّق حسب المزاج؟ أم أن العدالة الدستورية تُتاح فقط لمن يرضي المركز؟.

تُطالبوننا أن نكون عراقيين، فهل لنا أن نُعامل كمواطنين؟ في كل المحن كنا حاضرين، حاربنا الإرهاب، استقبلنا النازحين، وفتحنا بيوتنا دون تمييز. فمن الذي يدعو إلى التقسيم؟ من يزرع الانفصال؟ أليست الحكومة الفيدرالية نفسها من تُمارس التمييز وتفصل بين أبناء الوطن الواحد؟. رغم قسوة المواقف، لم تتوقف حكومة الإقليم عن الدفاع عن حقوق مواطنيها، ودعت إلى الحوار وتمسكت بالشراكة. لكن الرد من بغداد كان القطيعة المالية، لا الكلمات.

أعرف أنني صغير، لكن هذه الأزمة جعلتني أفهم أن السياسة عندنا لا تبدأ بالقانون بل بالجوع. لم أختر أن أكون سياسيًا، لكنني أصبحت كذلك لأن الواقع فرض عليّ ذلك. تعلمت أن الطفولة في وطني ليست ضمانًا، بل غطاء يُستخدم لتبرير فشل الحكومة الفيدرالية في إدارة الدولة.

أنا لا أطلب شيئًا خارقًا. أطلب فقط أن يُنفَّذ الدستور الذي تتحدثون عنه. أن تُعامل كوردستان كجزء حقيقي من العراق، لا مجرد شعار في المناسبات. أريد أن أعيش مثل باقي الأطفال في المحافظات الأخرى. أن أنام دون خوف من انقطاع الطعام. وأنهي كلمتي بسؤال واحد: “هل تريدون منا أن ننتمي إلى وطن يُشرّع الجوع في دستوره؟”.

 

قد يعجبك ايضا